مواقع مفيدة

 

من وقفاتي مع سليمان العيسى 

د. ملكة أبيض

 

الملتقى الثقافي العربي السوري في صنعاء (18)

صنعاء 2000م

*   *   *

عندما أقيم هذا الملتقى يوم الخميس 25 ذي الحجة 1420، 30 آذار/مارس 2000م، كانت الدكتورة ملكة أبيض فرغت أو أوشكت على الفراغ من كتابها "وقفات مع سليمان العيسى" الذي صدر في العام التالي 2001م في 422 صفحة عن الهيئة العامة اليمنية للكتاب في صنعاء.

كانت غاية الملتقى أن نستدرج الأستاذة الجامعية القديرة الدكتورة ملكة أبيض إلى الحديث عن سليمان العيسى الإنسان، في حياته الخاصة، وقد فاجأتنا بأنها ألّفت أو تؤلّف كتاباً عن سليمان الإنسان. وأمدتنا بالصفحات التالية، التي وضعت في كتيب بعنوان "وقفات مع سليمان العيسى، مجموعة دراسات وذكريات"، عُنِيَ بطباعته وتوزيعه الدكتور موسى يعقوب، وقد آثرنا أن نسميه هنا "من وقفاتي مع سليمان العيسى" تميزاً له عن الكتاب الكامل.

 

دار في الملتقى نقاش متشعب، ومداخلات غنية، ولا يتوفر من ذلك شيء حالياً، فنكتفي بنشر الكتيب ليكون متاحاً لشريحة واسعة من القراء، مع العلم أن الكتاب الصادر عن الهيئة يمكن الحصول عليه من العنوان:

http://cefas.bibli.fr/opac/index.php?lvl=publisher_see&id=1696

 

*   *   *

بعد فترة قصيرة، وفي هذا العام بالذات، عام 2000، نحتفل أنا وسليمان بعيد زواجنا الخمسين.

ومن حقي، بعد خمسين عاماً مضت، من حياتنا الحميمة، الملأى بكل ما يمرُ به الإنسان في حياته من أفراح وأتراح، ومصاعبَ ومتاعب، ونضال يومي لا يكاد يهدأ..

من حقي أن أقف لأستعرض هذا "المشوار" الطويل، الذي لا أجد عنواناً يلخصه أحسن من عنوان: كفاح مشترك.

وقد آثرت أن تكون وَقَفات مع موهبة سليمان الشعرية، ونتاجه الأدبي من شعر ونثر، وأن لا أمرَّ على الذكريات والحياة العادية إلا في محطات هامة.. رأيتها جديرة بالتسجيل.

فالذكريات، والحياة العادية - على أهميتها - تظلُّ شيئاَ مشتركاً بين كل الناس تقريباً. كما ذكرت في أحد أبحاث الكتاب.

**

يتحدث الكتاب عن ثمانية موضوعات رئيسية، لعلها أهم المحطَّات في نتاج الشاعر الغزير، للكبار والصغار على السواء. وهي:

-         سليمان العيسى.. بين الأدب والحياة.

-         على هامش " صلاة لأرض الثورة " - الجزائر-.

-         ديوان فلسطين.

-         سليمان العيسى: الجانب التربوي في نتاجه.

-         ماذا يغنِّي الأطفال في ديوان الأطفال لسليمان العيسى ؟

-         على هامش ديوان اليمن.

-         الشاعر والعراق.

-         سليمان العيسى.. مبدِعاً.

وقد كُتبتْ معظم أبحاث الكتاب في هذين العامين، باستثناء اثنين منها - في ما أظن - كُتبا منذ فترة. وكانت آخر هذه الدراسات وأحدثها - وربما أهمها -: سليمان العيسى مبدِعاً.

وما أظنني أعدو الصواب إذا قلت: إن الشاعر قد أوجز نفسه ونتاجه في هم عربي شَغَل حياته كلها، حتى أصبح هو وهمه العربي شيئاً واحداً في كل ما صَدَر عنه. يعرف هذا كل من قرأ سليمان العيسى، أو اتصل به، أو تحدث عنه.

وتبقى كلمة: هل كانت الإنسانية في يوم من الأيام إلا هذا الهم الصادق الذي يشغلنا ويعطي وجودنا معناه ؟

أ.د. ملكة أبيض

صنعاء: آذار (مارس) 2000


 

منذُ بدأناها معاً

مقدمة في قصيدة

سليمان العيسى

يَدانِ تَرْصُدانْ..

ما تقذِفُ الشطآنُ من لآليءٍ

ومن زَبَدْ

ما ينسُجُ الحرفُ على غِلالةِ الأَبَدْ

ما يكتُبُ الشاعرُ..

ما يقولُ من شعرٍ، ومن نثرٍ،

ومن بَيانْ..

يَدَانِ، منذُ الْتَقَيا،

بالحُبِّ.. تَرْصُدانْ

* *

منذ بَدَأناَها معاً..

رحلتَنا العطشىَ بأرضِ الشمسِ والهَجيرْ

منذُ تَخيَّرْنا كُوَى الضوءِ

وآثَرْنا احتراقَ الخَطوِ

في المَسيِرْ..

كانَتْ تمدُّ العُشْبَ في طريقِهِ،

تقتلِعُ الشَّوكَ،

بصبرٍ يعرِفُ العذابْ

وما شكا يوماً..

ولو غُدْرانُهُ سَرَابْ

**

منذُ تلاقَيْنا..

كتَبْناها معاً.. قصيدةَ التَّعَبْ

فَجَّرَها شوقٌ إلى المجهولِ..

ما جَفَّ على القحطِ، ولا نَضَبْ

كُنَّا نُغَذّيه بِدِفْءِ القَلْبِ،

بالحُلْمِ.. بما يُضيءْ

يا رَوْعَة اللَّحظةِ.. إِذْ تُضِيءْ !

ولم نَزَلْ نكتُبُها.. تَكْتُبُنا..

قصيدةَ التَّعَبْ

على الظَّماَ، والريِّ، والسَّغَبْ

وكلُّ ما أُمليه من شعرٍ،

ومن نثرٍ، ومن بيانْ

تَرْصُدُهُ، تَلُمُّهُ يدانْ

منذُ التَقَيْنا..

بالهوى، بالضوءِ تَرْشَحانْ

**

دَعْها إِذَنْ..

تختزِلُ الرحلةَ والعنَاءْ

تقولُ ما تَشَاءْ..

تصوغُ هذا السِنْدبادَ المُتْعَبَ الجريحْ

ترسُمهُ.. على جَنَاحِ الريحْ

لِأنها أَدرىَ به

مِنْ لونهِ الصريحْ

دَعْها إِذَنْ..

تخترِقُ الضَّبابْ

تبحَثُ عَمَّا اخْضَرَّ.. في اليَبَابْ

لم ينسكِبْ أُرْجُوعةً حَرَّى

على الزَّمَانْ

لو لم تكنْ في عُمْرِهِ

يَدَانْ..

بالضَّوْءِ، بالظلالِ،

تَرْشَحانْ

صنعاء: شباط (فبراير) 2000


سليمان العيسى بين الأدب والحياة

 

ربما كانت الحياة تعني للبعض "الحياة الخاصة " بما تقتضيه من تلبية الحاجات المادية والمعنوية للفرد.. كالدراسة والعمـل وتحصيل مكانة اجتماعية.. وما إلى ذلك.

إلا أن الحياة عَنَت دائماً لسليمان العيسى شيئاً آخر، لقد اشتبكت فيها الاهتمامات العامة بالاهتمامات الخاصة اشتباكاً وثيقاً حتى طغت عليها في معظم الأحيان.

ومنطَلَقُه في ذلك هو ما ردَده دوماً من أن السـعادة الفردية لا يمكن بلوغُها في وطن متخلف مسـتعبد،وأن تحقيق الإمكانات والطموحات الشخصية يسير جنباً إلى جنب مع تحقيق الأهداف الوطنية والقومية.

هذا ما عنته حياة الشاعر منذ فتح عينيه علـيهـا:

التنديد بظلم الفلاحين وبؤسهم وحرمانهـم في قريته،الوقوف في وجه سلب موطنه الصغـير _ اللـواء _ وتتريكه، مقارعة الانتداب الفرنسي في سـوريـة، والغزو الصهيوني لفلسطين، والإستعمارين الفرنسـي والبريطاني للعديد من الأقطار العربية في المشرق والمغرب وقد تخللت حياتَه بعضُ لحظات الفرح، إلى جانـب تلك المشكلات والمآسي التي رافقتها.

كانت هناك أفراح شخصية، و أخرى عامـة. علـى

الصعيد الشخصي..كانت هناك الصداقات الحميمة والحب، والزواج، والأولاد، ثم الأحفاد. وعلى الصعيـد العام.. كانت هناك الثورات التي انتشرت في مع الأقطار العربية، وأسفرت عن عدد من المنجزات، أهمـها حصولها على الاستقلال.

ولكن الخيبات تجاوزتها كلَّها حتى كاد اليـأس يعصـف به أحياناً.

على أن إيمانه العميق بأمته كان يعيد إليه الأمل بعـد كل خيبة، فما دام هناك كبار يَحْيَون، وينقلون آلامـهم وآمالهم إلى الأطفال فإن الأطفال سيكونون خير مـن يتـولى حمـل الرسـالة، وإيصالها إلى غايتهـا. و هو القائل بعد نكسة حزيران 1967:

أغنّي لهم، ولهم أكتُبُ

لِذا.. قلمـي مورقٌ

لِذا.. دفتري مُعْشِبُ

وسأحاول في هذه الوقفة إعطاء شواهد عن انعكاس حياته الخاصة في نتاجه الأدبي، فتفاعله مع الأحداث معروف على نطاقٍ واسع.

واسمحوا لي أبدأ الشـريط منذ البداية، و لـكــن باقتضاب وإيجاز.

الفترة الأولى: فترة الدراسـة الجامعية، فترة الحيــاة المشتركة في دمشق _ في بيت صغير في حي السبكي _مع عدد من الشباب اللوائيين المهاجـرين _ على رأسه الأستاذ علي الأرسوزي _

تأسيس حركة نضال قومي باسم البعث.

الصداقــات الحميـمة و عواطـف الشبـــاب:

في تلك الفترة، أذكر على الصعيد العاطفي، قصيدة قيلت في بغداد، منها هذان البيتان:

هنا وقفتْ يوماً … هنـاك تَحدَّثـتْ

هنا ابتسمتْ لما التقى الدربُ والـدربُ

هنا ارتعش الثغر الجميل متمتماً

بنصف صباح الخير، حَسْبُ الهوى حَسْبُ

كما أذكر قصيدة قيلت عام 1947 وكان مطلعها يتردد على لسان الطالبات الشابات حين بدأت تدريسي بعد عامين أو ثلاثة في ثانوية معاوية بحلب، كان المطلع

مارَقَّ بعـدَكِ لي لحـنُ ولاعَذُبا

هيهاتَ كنتِ لي القيثارَ والطرَبا هذا بالإضافة إلى القصائد القومية وقد أشتهر منها البيت القَائلُ:

أمةُ الفتح[1] لن تموتَ وأني

أتحداكَ باســمها يـافنـاءُ

والكثير الكثير من " الأزجال " التي تتلاقى فيها العواطف الشخصية والقومية ومنها:

(2)[2]

عابرْ ميّني لاقي لي كأنّكْ ضجرانْ

عاربونها الجميلة تْلاقى الفرسانْ

و؛خلي الشعلة في يمناكْ وِتْحَدَّ الزمـانْ

تتعثر خطوة عالأشواك وخطوة عالريحانْ

خلال ذلك كنت أنا أحضّر الليسانس في العلوم التربوية والنفسية في بروكسل ببعثة لحساب وزارة التربية السورية.

وعدت في نهاية السنة الدراسية الثالثـة لزيارة أهــلي في حلب، خلال الإجازة الصيفية.

وقـد التقيت سليمان في بيتنا، وكان قد سبقني إليـه مدرساً لأخواتي، ومعيناً لهن في التحصيل. كان الجميع يحبونه ويتَعلقون به.

وتقدمني شقيقتي الكـبرى إليه: أستاذنـا سليــمان !

ونتصافح، ويدور بيننا حديث، تتلوه دعوة إلى محاضرة،ثم نزه في المدينة، ثم نزهات وأحاديث، بدأت في صيف 1949،تخلّلها فاصل قصير عدت فيه إلى بروكسل لأكمل السنة الجامعية الأخيرة وأحصل على الشهادة، بعد أن أعلنَّا خطبتنا، واتفقنا على الزواج بعد عودتي إلى حلب.

**

وإن أنسَ فإني لاأنسى هذه "الدُعابة " اللطيفة التي كتبها سليمان ذات يوم لوالدي، أبيات من الشعر يحييه بها، ويسوّغ "مشاويرنا " المسائية في صيف حلب الحار.. منها:

إني أَرى حلباً تذوبُ حرارةً

طوالَ النهار وتبعثُ الأتراحا

كيف السبيلُ إلى اتّقاءِ لهيبها ؟

إناَّ لَنرهبُ وَهْجَه اللّفاحا

كدنا نضيقُ بذاكَ.. لولا رحمةٌ

من ربنا تَسَع الوجودَ فلاحا

خَلَق المساءَ لنا.. فكان نسيمُه

يحكي طباعكَ رقةً وسماحا

أ تمرُّ أنسام المساءِ بَرودةً

ونُضيع منا عطرها الفوَّاحا ؟

أولم يَهَبْنا اللهُ _ جلَّ جلالُه _

دنيا.. لنملأَ جوَّها أفراحا ؟

خَلَقَ الحياةَ لنا جمالاً رائعاً

أ نصدُّ عنه غُدوةً ورواحا ؟

إناّ نسبِّحه بخفقة قلبنا

إن سبَّحتْه ألْسنٌ إفصاحا

خلال تلك الفترة من البعد، والرسائل المتبادلة كتب لي سليمان عدداً من القصائد التي أحبُّها وأعتزُّ بها،اقتطفُ من إحداها هذه الأبيات:

هذهِ حديقتُكِ الطَّروبُ فأينَ زنبقةُ الحديقهْ

أقبلتُ وحدي، لا أضمُّ إلى يدي يدَكِ الرقيقةْ

ويعني حديقة " نوتاراكي " في حلب، التي شهدت الفترة الأولى من خطبتنا:

لم تَضْحكِ الأزهارُحولي لا، ولم أرَهـا أنيـقةْ

فهناكَ،حيثُ خطوتِ ماج الورد وابتسمت حديقةْ

في 17 أبريل من عام 1950، بدأت حياتُنا الزوجية. وفي إحدى قصائده يسمي سليمان زواجنا " القيد الصغير " و يقول فيه هذا المقطع الجميل:

بيديَّ اخْتَرتُه قيدي الصغيرْ

من ربيعٍ دائمٍ في القلبِ،

من بَرْدِ غديرْ

أتَّقي الصحراءَ فيهِ …

كلَّما أسْلَمني الإعصارُ من تيهٍ لتيهِ

**

بيديَّ اختَرتُه.. هذا النداءْ

يصِلُ الأعماقَ بالأعماق ِ، يخضرُّ الرجاءْ

كلَّما أوغل في المجهولِ خُطْوَةْ

صبوةٌ تولَدُ في أطلالِ صبوَةْ

**

كيفَ لا يستسلِم ُالنهرُ لأشواقِ السَّفَرْ ؟

قيدُهُ الحُلْوُ تسابيحُ الوترْ

باقةٌ سمراءُ من ضوءِ القمرْ

ضحكةٌ تزرعُ في الليلِ السَّحَرْ

حلب 1950.

في هذه الفترة، كان سليمان يدرّسْ في ثانويات حلب،ودور المعلمين، ويكتب بلا انقطاع، كما كنت ادرّس أنا.وكان يناضل-كما هو معروف-في البعث العربي الذي شارك في تأسيسه منذ البدايات.

دواوينُه في الخمسينات والستينات، معروفة، تناقلتها الأجيال العربية على امتداد وطننا العربي الكبير:

مَعَ الفجر، أعاصير في السلاسل، رمالٌ عطشى، بين الجدران، ثائر من غِفار، قصائد عربية، أمواج بلا شاطئ،إلى آخر هذه القائمة من المجموعات الشعرية التي ألّفت المجلدات الثلاثة الأولى من نتاجه الشعري.

في هذه الفترة..كتبَ أيضاً عدداً من المسرحيات الشعرية،دُرِّست إحداها: " إبنُ الأبهم، الإزارُ الجريح " في صفـوف البكالورياالسورية، ومايزال الكثير من الطالبات والطلاب الذين خرجوا إلى الحياة ويذكرونها، ويرددون مقاطع منها.

لقد دخل سليمان السجن أكثر من مرة بسبب قصائده ومواقفه القومية، وخرج من إحداها بديوان صغير معروف بعنوان:

شاعر في النظارة، أو شاعر بين الجدران.

ومرةً أخرى أعود وأقول: إنَّ حياته الخاصة كانت تمتزج بحياته العامة في كل شئ. سليمان يحبُّ الحياة ويريدها كلاً لا يتجزأ.

يغنيّ للأطفال، ويلعب ويرقص معهم. ويغنّى لأطفاله أيضاً.قصائد معن وغَيلان وبادية منتثرة في دواوينه، كما أنتثرت بعد ذلك قصائد أحفادِه وحفيداته.

يقول في إحدى قصائده لابنته بادية:

قبلَ أَن انفُضَ عن جَفْني الكرى

وخيوطُ الفجرِ في أهدابِيَــه

قبلَ أَنْ تَلْمسَ وجهي نسمةَّ

تعبُرُ الشباَّك ريَّـا حالِيَـهْ

نَسُبَحُ الغرفةُ في زقزقـةٍ

لاندى الصبحِ ولا أحلامِيَهْ

الْيُد الحلوةُ في شَعْري..فيا

رقَّةَ الوردِ وهمس َ الساقيَةْ

وأُزيحُ النومَ عن عَيْني على

بُرْعُمٍ أشعَّرَ فى أجفانيَهْ

يانسيمَ الصبحِ لم تمَلأْ دمي

بالهوى والعطرِ لولا بادِيَةْ

ثم يتابـع حديثَه إلى طفلته الصغيرة في القصيدة نفسِـها:

إِقْذِفي اللُّعبةَ نركُضْ خَلْفَها

نَقْلِبِ الكرسيَّ نَرْمِ الآنيَةْ

وأنا الأوَّلُ إنْ نقفِزْ كما

يَثِبُ الذئبُ وأنتِ الثانيةْ

ونُحيلُ البيتَ فَوْضَى مثلما

تخبِطُ الريحُ غصونَ الداليَةْ

فإذا صاحوا بنا.. طَوَّقْتِني

وفَرَرْنا نختبي في الزاويةْ

وإذا فيروزُ غنَّتْ مَلَكتْ

سَمْعَنا فالبيتُ أُذْنٌ صاغِية

**

في العام 1967 الذي أطلقنا عليه عام النكسة، ننتقل مـن حلب إلى دمشق، هو موجهاً أول للـغة العربية في وزارة التربية، وأنا مدرّسة في جامعة دمشق، بعد أن كنت قد حصلت على الماجستير من الجامعة الأمريكية في بيروت.

و في هذا العـام بالذات يبدأ سليمان تجربته الفريدة في الكتابة للأطفال، ويجعلهم همَّه الأول، هذه التجربة التي دخلت الآن عامها الثاني والثلاثين.

لقد أحسَّ بعد نكسة حزيران أن مرحلةً كلها قد احترقت ولا بد له أن يبحث عن نافذة للخلاص.

وقد وجد النافذة في عيون الأطفال..كما يذكر هو في غير مكانٍ من كتاباته وأحاديثه.

و في أحدث نشيد كتبه منذ أيام لطفلتين مـن دمشـق، اسمهما ميِّ ولين، يؤكد هذه الفكرة حين يقول:

كانَ الصِّغارُ مَلاذاً من الدَّمارِ يقيني

كانوا شُعاعَ رجاءٍ في ليلِ ليلي الحزينِ

**

يا كُلَّ ربَّاتِ شعري طفلاً يغني دعيني

مابين مجدٍ وسعدٍ وبين ميٍّ ولينِ

ضفيرةً من ضِياءٍ أُنشودةً وزعيني

إن سليـمان لا يكتب للصغار ليسـلّيهم، كـما يذكر في مقدمة " ديوان الأطفال "، إنه ينقل إليهم تجربته القومية، تجربته الفنية، تجربته الإنسانية.

من هنا نراه لا ينـسى أن يكتب للأطفال عن طفولتـه في قريته الصغيرة على ضفاف العاصي، بجوار مدينة انطاكية باللواء السليب:

-يكتب عن بيته الصغير الذي بَنوه بأيديهم من الحجـر والطين:

وسقفِ القرميد الأحمر مثل جناح العيد

وخطواتِ النهر التي توشوشه صبحاً ومساء.

-يكتب عن أبيـه الشـيخ أحمد قائــلاً:

في الحارةِ الصغيرةْ

في بيتنا القرميدْ

عاش أبي يكافح الأيام يا صغارْ

كان وديعاً كنسيم الصيفِ، كالأشعارْ

يعلّم الصغارَ والكبارْ

في بيتنا، يعلِّم القُرآنْ

والصرفَ والنحوَ،

وحسنَ الخطِ والبيانْ

شيخٌ يحبُّ الناسَ مبصرينْ

يقاتلُ الظلامَ بالحرف الذي يُبينْ.

-ويكتب عن أمه القـروية البسيطة قائلاً:

حلوةُ الطلْعةِ كانت

تغمرُ الضيعةَ حُبا

لم تكن تقرأُ أو تكتبُ،

كان العلمُ صعبا

عَوَّضتنا عنه قلبا

يَسَعُ الدنيا محبَّا

**

في أعماله الشعرية التي صدرت في أربـعة مجلــدات..

وفي سيرته الذاتية..

وفي دواوينه الثلاثة الأخيرة التي حملت عنوان: ثُمالات" وطُبعت في اليمن.. ولعلَّها أنضج ما أعطىحتى الآن.

وفي كل ما كتبه للأطفال من أناشيد، وقصص شعرية، ونثرية، ومسرحيات غنائية..

وفي كتابه الهامّ الذي قدَّم به شعراء العرب للصغار بعنوان "شعراؤنا يقدّمون أنفسهم للأطفال.."

وفي مئات القصص التي عرَّبناها معاً من الأدب العالمي، وشارك في بدايتها بعض الزملاء،والتي صدر قسم منها عن دار طلاس في دمشق، وما تزال الأقسام والمجموعات الأخرى تصدر تباعاً عن دار الفكر بدمشق..

وفي ديوان " أغاني الحكايات "الذي أضافه الشاعر إلى

القصص المعرّبة، واستوحاه منها، وهو لا يقلُّ أهمية في رأيي عن ديوان الأطفال..

في هذا النَّتاج الضخم كلُّه يظلُّ الحُلُم العربيُّ الذي فَتَح سليمان عينيه عليه في لواء اسكندرونة-كما ذكرنا-يظلُّ هو المحركَ الأول، واليَنْبوعَ الأول،لكل ما يكتب. بل هو الدليل الذي يقود سلوكه،ويُضيء حياتَه، والذي يتجلَّى أول ما يتجلَّى في النضال من أجل قضية العرب الكبرى: الوحدة العربية،القادرة وحدها على أن تعيد لوجودنا العربي كرامتَه ومعناه،والتي خاطبها ذات يوم قائلاً:

أطِلِّي علينا وَحْدةً، طيفَ وحدةٍ..

بريقاً، سراباً، كيفما شئتِ فاقدمي

وهبتُكِ عمري..ما وَهبتُ سوى الظَّما

إليكِ، أنا الحادي القتيلُ، أنا الظَّمِي

وإني لسعيدةٌ، كما هو سعيد، أن أكون قد شاطرت سليمان أحلامه وأفكاره وحياته، منذ لقائنا الأول حتى الساعة.

لقد كانت طريقاً واحدة، وحياةً واحدةً، وأحلاماً واحدة عشناها معاً، وشاركنا معاً في صنعها خُطوةً خطوة.

وربّما كانت العباراتُ التي خَتَم بها إحدى خواطــره الشعرية ذات يوم،وهو يتحدث عن مشوار العمر الذي قطعناه معاً..ربما كانت تلك العباراتُ أحسنَ ما أختتِمُ به هذا الحديث الخاطفَ القصير.

يقول سليمان في خاطرته الجميلة التي كتبها في عيــد زواجنا الثاني والثلاثين، على طريقة حديث شهرزاد في ألف ليلة وليلة:

" الليلةُ الثانيةُ والثلاثون…

العامُ الثاني والثلاثون….

لا أدري، أيُّها الملكُ السعيد، ماذا أسمي هذا الحُلُم،هذا الطريقَ الطويل الذي قطعه "خولانُ" و"خولة"..

يدينِ متشابكتينِ، وقدمين على الأرض، وعينينِ

لا تنسيانِ القمَر والنجوم، مهما انْهارَ الضوءُ،

وعَرْبَدَ الظلام.. ولفَظَت أنفاسَها النجوم..

إنهما ما يزالانِ معاً.. على طريق الحياة.

أحلامٌ تتبدّد..وتتجدّد

وكفاحٌ لا يَهْدَأ..

يَرْتاحانِ قليلاً.. ويَتْعبان كثيراً

يَشْقَيانِ.. ويَسْعَدانِ..

يَفْرحان.. ويتألَّمان

يُحقّقان بعضَ ما يُريدان..

ويُصْدمانِ في الكثير مما يُريدان..

شيءٌ واحد.. قرَّرا معاً أن يكونَ الخيط العميـق

المتين، الذي يربط أعماقَ حياتِهما، ويَهَبُ وجودَهما معناه هو:

إرادةُ التطلُّعِ والتجديد..ومعاداةُ الراكدِ والبليد..

إنْ لم يكن تجديدَ العالَم.. كما كانا يردّدان دائماً..

فَلْيَكن تجديدَ ذاتِهما، وإضاءةَ حياتِهما،قَدْرَ ما يستطيعان،

وهنا.. أدركَ شهرزادَ الصباح

فسكتت عن الكلامِ المباح.."

                                                   

                                                                                         دمشق: 13/9/1999م


 

على هامش ديوان:

" صلاة لأرض الثورة "

 

لقد شهدتُ ذلك اللقاء …

كان ذلك في بيتنا..

إنه اللقاء الأول بين سليمان، ومالك حداد.

كان مالك يطوِّف المشرق العربي للمرة الأولى في قناع خادع، زوَّقته يد فرنسا الصّنَاع،فأتقنت تزويقه.

وكان سليمان في عزلة قاسية، يعيد الماضي، ويستـرجع الذكريات، فلا يخرج منها إلا بيأس مرير، وخيبةٍ قاتلة..

وتلاقت عيونهما..وتصافحت الأيدي،وسرعان ما سقط القناع المتقن، وتجلَّى لنا الوافد من فرنسا، الذي يتكلم لغتها باللهجة الباريسية الأصيلة فارساً من فرسان الصحراء يعقد حول عنقه برنساً أحمر قشيباً لا تخطئه العين..

إن الزيف لباطل..

ذلك هو مالك حداد أحد أدباء الجزائر وشعرائها المعاصرين، الناطقين بالفرنسية، كاتب روايَتيْ "سأهديك غزالة" و"الانطباعات الأخيرة"..وشاعر "الشقاء في خطر".

لقد التقى إخوانه أبناء الإقليم الشمالي في دمشق وحلب، وتحدث إليهم عن المعجزة الجزائرية، وعن دور الأدباء الشباب فيها.فكان إخوانه -وجلهم لا يجيد الفرنسية -يصغون إليه بكل جوارحهم..

كانوا يقرؤون كلماته في عبارات وجهه ويقاطعونه بالتصفيق والهتاف. فلا يملك إلا أن تخضلَّ عيناه بالدموع، ويعلق قائلاً:

إن مأساتي تتجلى لي الآن بشكل أعمق. إنـي أقف بينكم عيا لا أعرف كيف نتفاهم !

لقد ذاق ابن قُسّنْطينة التشرد والغربة منذ كان طفلاً..وشُرِّدَ أطفاله الثلاثة من بعده، ولكن غربته هذه تهون إذا ما قيست بغربته الثانية في منفاه الثاني - كما يسميه -..إنه اللغة الفرنسية،وسيلته الوحيدة للتعبير عن نفسه.. عن كل ما يضطرم في صدره من شعر، وحب، وثورة،وغضب..

لقد فرَّ هو الآخر من منفى الجنسية التركية، ومن منفى اللغة التركية..

إن مالك حداد، ورفاقه كاتب ياسين، ومحمد ديب، ومولود فرعون، ومولود معمري.. الناطقين بالفرنسية، يعيشون في منفى هذه اللغة، فما أن تنطق بها حناجرهم، ما أن يسيل بها مدادهم حتى يحسُّوا الزيف في كل ما يقولون.

ويشاء القدر أن يحمل هؤلاء الأدباء الشبان المسئولية الخطيرة، والرسالة الضخمة، مسئولية التعبير عن آلام الجزائر وآمالها، وثورتها المعجزة التي لم تكد تهدأ منذ وطئت أقدام الاستعمار البغيض هذه الأرض الطيبة.. منذ مائة وثلاثين عاماً.

لقد عملت فرنسا بكل ما أُوتيت من قوة على أن تقتلع الجذور العربية من أرض الجزائر.. وتزوِّر كل شيء فيها حتى التراب[3].

وبدأت باللغة..

شنتها حرباً ضروساً على اللغة العربية، فحرَّمتها على كل شفة ولسان، وقاتلتها حتى في الكتاتيب وفرضت اللغة الغريبة فرضاً على كل جزائري..

ويعتذر مالك لصديقه:" لا تلمني يا صديقي إذا لم يطربك نشيدي، لقد شاء لي الاستعمار أن أحمل اللكنة في لساني..أن أكون معقود اللسان.. لو كنت أعرف الغناء لتكلمت العربية."

ويهز ابن انطاكيه رأسه..

ويطرق في ألم عميق..

إنه يدرك المأساة.. لقد عاش طرفاً منها، ولكنه يُحسها بكل أبعادها..

لقد اجتاز الحدود وهو فتى صغير.. واجتاز معها داره، وبستانه، وأهله..

وإذا كانت ابنته الصغيرة "بادية" التي أنست بالشاعر الجزائري، فقفزت على ركبتيه، تسأله عن طفلتيه الجميلتين، تتلعثم بكلمات عربية ناعمة يهتز لها المشرَّدان.. فإن سائر أبناء اللواء يعيشون الآن تلك المأساة.. ولكن حداثة سنهم لم تتح لهم أن يفتحوا عليها أعينهم بعد..

إن مالك يتحدث باسم غرباء العربية.. باسمهم جميعاً..ضحايا الفرنسية، وضحايا التركية. أفيكون غريباً بعد هذا أن ينطلق سليمان من هذا اللقاء الخاطف فيكتب مجموعته الجديدة هذه في خمسة عشر يوماً لا غير ؟

لقد مست كلمات الشاعر الجزائري صميم سليمان كما تمس الجمرة جرحاً قديماً فتثير أعماقه.. وتبعث آلامه الكامنة في لمسة واحدة..

وكان هذا الديوان وحي لقاء بين مشرَّدين في غرفة صغيرة..

وحي آلام.. وحي غربة.. وحي أمل..

آلام واحدة.. ومصير واحد يتقاسمه شاعران وإن لم يلتقيا قبل اليوم.

ويهدي سليمان أناشيده إلى صديقه، ويكتب إليه قائلاً: " لم أفتح الدفتر بعد تبييضه.. وكل ما أرجوه أن أكون قد وفقت قي التعبير عن خفقة واحدة من خفقات البطولة والحرية التي تضطرم بها جبال الجزائر الصامدة، وسهولها وأوْدِيتُها..

إنـي أعرف أن الموضوع أكبر مني، ومن أي شاعر.. فهل تقبل أرض المعجزة صلاتي.. وعذري؟"

وبعد..

فإذا كان سليمان قد فتح عينيه على الحقيقة يوم اغتصاب وطنه الصغير، يوم سلخ اللواء عن الوطن الأم، وإهدائه لتركيا.. والتزم منذ ذلك الحين الثورة طريقاً للخلاص في كل ما قال.. فإن مالك حداد يجيبك ببساطة حين تسأله عن تاريخ ولادته:

-لقد ولدت في 8 أيار 1945.أيحتاج هذا التاريخ إلى تعريف؟

ثم لا يرى في حياته قبل هذا اليوم شيئاً..

لقد التزم مالك أيضاً منذ 8 أيار، يوم الدمع والدم في الجزائر، طريق الثورة.. وصعَّد فيه جنباً إلى جنب مع رفاقه حَمَلة السلاح،يحققون وجودهم العزيز، ويعطون الحرية، والكرامة الإنسانية معناهما الأصيل.

إنه يتلاقى مع سليمان في الطريق..

إنه يحدد رسالته، ورسالة الشاعر العربي الذي يحمل المأساة في صدره حين يقول في مقدمة ديوانه، مخاطباً صديقه:

.."أنت تكتب لأنك تحب.. وإذا لم يكن لديك ما تحبه فاطرح قلمك.. بأقدامك، أقدام الجندي، أقدام الشاعر الجوَّال ستخط طرقاًجديدة، ستخط دروباً معطرة بالأساطير.

إنك لربان طائرة تطير على طريقك.. إنـي أحذّرك. لن يكون لك محطات استراحة تلتقط فيها أنفاسك. ستطير حتى ساعة وصيتك.. ولن تكترث بذلك.. لأنك شاعر..

يجب أن نقتل الليل.. يجب أن نقتله.. لتنبثق الحياة من ورائه.."

بلى.. يا شاعر الثورة..

يجب أن نقتل الليل..

يجب أن نقتله..

لتنبثقَ الحياةُ من ورائه.. للجزائر،

للأمة العربية..

للإنسانية جمعاء.

حلب 19 حزيران 1961


ديوان فلسطين[4]

 

ذاتَ يوم..

سقَطَ الخَنْجَرُ في قلبِ الجسدْ

كانتِ الأرضُ الجسدْ

أرضُنا.. المذبوحةُ الثكلى

التي تمتدُّ من حزنِ الزَّبَدْ

في"أغادير".. إلى حزنِ الزَّبَدْ

في خليجِ التبر والدرّ،

وغصَّاتِ الشَّجنْ

كلُّه في شهقةِ الجرحِ وطَنْ

الجسد الذي ينتمي إليه سليمان العيسى هو الأرض العربية، أنَّـى امتدَّت، وحيث ترامت تخومها، والأمة التي ينتمي إليها هي أمته العربية الضاربة جذورُها في أغوار التاريخ، والتي ما تزال تملأ هذه الأرض العريقة العتيقة من الماء إلى الماء - كما درجنا أن نقول -

ولكن الديوان الذي أقدم له هو ديوان فلسطين.. قلب الجسد العربي الذي زُرع فيه"الخَنْجر"، وكان محنتنا الأولى، وقضيتنا الأولى في هذا العصر.

كُلُّه في شهقةِ الجرحِ.. وطَنْ

وأتردد قليلاً، كيف أقدم لديوان رافقتُ تجربته، وشاطرتُ صاحبهُ معاناتَه، قُرابةَ نصف قرنٍ، والشاعر أقربُ الناس إلـيَّ ؟

سأكتفي بعرض هذه القصائد وتقديمها للقارئ متوقفة عند أبرز المعالم، متجنبةً - ما استطعت الحماسة والانفعال، وهي شرارة الفن الأولى بالرغم من كل شئ.

سليمان العيسى.. شاعر قومي.. لا يختلف في هذا اثنان، يدور شعره حول وطنه العربي الكبير، يمتاح منه، ويؤرخ لما يجري فيه من أحداث، فهو كما سمعناه يهتف وهو في مطلع الشباب:

أنـا للعروبةِ، مُذْ رأيت النـورَ كنتُ، ولن أَزالا

بغدادُ في صدري كتونـ ـسَ، خفقةٌ حرَّى تَوالى

كالشامِ..يَقْطرُ في الجنو بِ دمي وقد خَضَب الشمالا

وجنوب الشام فلسطين..

أمَّا شماله.. فهو لواء الإسكندرونة الذي أعطاه الفرنسيون لتركيا، إِبَّان انتدابـهم على سورية، والذي كان مهد الشاعر الأول.

وبما أن الأحداث التي تُّلمُّ بالوطن تصيبه في هذه البقعة أو تلك، فإن الشاعر ينتقل معها، وينصهر بها، معبّراً عما يحس إزاءها.. وهكذا تظهر في كتاباته قصائدُ للجزائر، وأخرى لليمن، وثالثة لمصر أو العراق أو تونس وغيرها.. بحيث يمكن جمع كل منها في ديوان خاص، كهذه القصائد التي تدور حول فلسطين. مع العلم أن قضية فلسطين لا توازيها أية قضية أُخْرى في الوطن العربي، ولم يقم لها مثيل في العالم كله منذ خمسة قرون، أي منذ اقتلاع "الهنود" من ديارهم في امريكا.

كما أن سلب هذا الجزء من الوطن العربي ضرب النهضة العربية، والوحدة العربية في الصميم، وما يزال أهَمَّ عائق في سبيل تحقيقها.

والفلسطينيات قسمان:

قسمٌ للكبار، يضم أكثر من خمسين قصيدة، وحوارية طويلة بعنوان: الشاعر والأصوات.

وقسم للصغار الذين شغلوا جانباً كبيراً من نتاج سليمان بعد مأساة حزيران 1967. وهو يضم سبع أناشيد، وسبع مسرحيات.

والقسمان يتفقان في الموضوع، إلا أنهما يختلفان في اللون الشعري وفي الأسلو ب.

من هنا.. كان من الضروري الحديث عن كل منهما بصورة مستقلة.

وَلْنَبدأْ بقصائد الكبار.

تبدأ القصائد عام 1947، حين كان الاستعمار والصهيونية يُعمِلان مخالبهما في فلسطين، ويمزقانها أشلاء.

ويؤكد الشاعر أن غناءه لفلسطين بدأ مبكراً منذ الثلاثينات، حين كانت تترامى إلى الفتى الصغير أنباء الثورة الفلسطينية التي اشتعلت في جبل النار، وأنه رثى بعض شهدائها بقصائد لا يحتفظ بها الآن.

وحين وُقِّعت الهدنة عام 1948، و"سقط الخنجرُ في قلب الجسد" أحاط الظلام بالشاعر من كل صوب، وأوشك أن يفقده كل أمل بالمستقبل:

هزَّ ماضينا..فإنـي موشِكٌ

أن أَرى آخرَ ومضٍ قد خبا

أجل.. لقد رأى في الحدث وصمة عارٍ في جبين الجيل العربي كله، حكاماُ ومحكومين، لأنه لم يستطع الصمود والإستمرار في المقاومة.

ماذا أغنِّي.. غير عارِ الجيل،

جيلي المستكينِ؟

وبدءأ من ذلك التاريخ سيظل استلاب فلسطين الحدث الأول الذي يلوِّن شعر سليمان بلون أسود قاتم حيناً، وأحمر قانٍ حيناً آخر، وسيتسلل إليهما شعاع من الأمل حين تقف المقاومة على قدميها،وفيما بعد حين تتفجر الانتفاضة، وتغسل بعض العار الذي لحق بالأمة، ويحيا منذئذٍ على أمل الخلاص:

أرأيتَ كيف نُباغتُ الأمواج من قلبِ الغيوبِ

وتهزُّ صدر اليمِّ عا صفةٌ مدمِّرةُ الهبوبِ ؟

ترمي بأدران العباب جلامدَ الشط القريبِ

فإذا بوجه البحر أصـ ـفى من شعاعاتِ المغيبِ

سيُطِلُّ يومٌ فوق هـ ـذي الأرض تُغْسَلُ باللهيبِ

إن الفلسطينيات شريط يصوِّر معاناة هذا الجزء من الوطن خلال ما يقارب نصف قرن، ويتبين فيه القارئ معالم بارزة، لعل أهمها:

الربط بين مأساتي فلسطين ولواء الإسكندرونة، مسقط رأس الشاعر، وإرجاعهما إلى ضعف الأمة العربية، وتكالب الأطماع عليها.

يقول الشاعر مخاطباً لاجئاً من فلسطين:

أنا مثلكَ، استلبوا ملاعـ ـبَ فجريَ الأولى استلابا

أنا مثلكَ، اغتصبوا ترا بَ طفولتي الحلوَ اغتصابـا

ويستدرك بقوله:

أرضُ العـروبـةِ كلُّها جُرحٌ يصيحُ بلا جـوابِ

فـي كل زاويةِ "فلسـ ـطينٌ " مُدَنَّسـةُ الترابِ

وقوله:

أنَّـى الْتَفَـتُ أراكِ شِلْواً بين أنياب الأعادي

أنَّـى رميتُ الطـرفَ روَّعني مصيرُكِ يا بلادي

ومن آثار سلب الأرض، وطرد أهلها، مشاهد الهجرة واللجوء التي خصها الشاعر بقصائد عديدة، يقول في إحداها:

أمُفَجَّعون علـى رصيف الموتِ، أم وطنٌ يبـورُ؟

أمشـرَّدٌ ؟ أم أمـــةٌ لُفِظت ليسحقها الثبـورُ؟

في هذه "الخِرَقِ" الجياعِ فلولُ شُعبٍ قد أُبيــد ا

في هذه "الأسمالِ"يَفْتـــرِشُ الثرى وطنٌ شريــدا

هذي بلادي في الطريقِ: طـريدةٌ لفت طـريـدا

ووئيدةٌ في الزمهـريـرِ، على الطوى، ضمت وئيدا

ويقول على لسان لاجئة تتحدث عن هجرتها:

مازلتُ أذكرُ.. كيفَ رَوَّعنا

يوماً دويُّ النارِ في الغســقِ

وكألفِ صخرٍ..دُحرجت بيدٍ

مجْنونةٍ من جانبِ الأُفُــقِ

عَزفُ الرصاصُ نشيدَ مجزرةٍ

من حولنا، وحشيةِ النَّسـقِ

ورأيتُني..في صدر والدتـي

نفَساً تردَّدَ، نصفَ مختنـقِ

وأبي كملاّح..سـفينتُـه

في لمحةٍ..أوفت على الغَرَقِ

الدارُ تلفظُ أهلها سَـحَراً

مهَجاً مروَّعةٌ على الطُّرقِ

وعلى لسان لاجئة أخرى تصف حياتها، وحياة اللاجئين من حولها:

حياةٌ.. تجسَّدَ فيها الهوانُ

ضياعٌ بأعماقنا ينـعـقُ

غصونٌ.. مقطَّعةُ في الدروبِ

فكيف بلا جَذْرِها تُورقُ؟

وتستمر أرجوحة الأمل واليأس تعبث بالشاعر حتى الهزيمة الكبرى الثانية في حزيران 1967،حينئذٍ تنـزلق الأرجوحة من جديد إلى الطرف الثاني..إلى اليأس الكامل.

يقول الشاعر في حديثه عن وقع الكارثة على نفسه، في مطلع حوارية "الشاعر والأصوات":

حزيران 1967

الكارثة تغلُّ روح الشاعر

تسدُّ عليه المنـافـذ..

تذبح في عينيه النـور

تدفنـه حـيــاً..

طوالَ عام كامل..لم يستطع أن يقول بيتاً،

أن يكتب كلمة.

طوالَ عام كامل.. كان يتنفس الذل..

يختنق بالعار..

ومن يختنق لا يستطيع أن يكتب.

حزيران 1968

..كان (الشاعر) ما يزال يصارع يأسه..يقاوم..

يحاول أن يُخرج نفسه رويداً رويداً من القبر.

ومرةً.. وُلد هذا العنوان:

الشاعر والأصوات..

كما تنـزلُ قطرةُ مطر كبيرة،

على حبة رملٍ أحرقها العطش.

وامتدَّ حتى كان ثلاثة عشر نشيداً،

اصطرع فيها نقيضان:

الشاعر..

والقوى الساحقة.. الأصوات..

وكان لرمز المعذَّبين، الممَّزقين، للشاعر أخيراً

أكثر من ملجأ.. أكثر من عزاء.

كان له نشيد البقاء.

كانت "الأصواتُ" تردّد:

لا تقاومْ..

لا ترتجلْ مرفأً في الوهم..

أحرقِ الكوةَ الأخيرةَ، مات الضوءُ..

كَفِّنْ بذكرِهِ أَحزانَكْ

وتؤكد:

كلُّ ما تبنونَ أضغاثُ رُؤى

كلماتٌ..

كلماتْ..

حلوةً أو مرةً كانت

ستبقى كلماتْ..

وكان الشاعر يخاطب نفسه قائلاً:

أحبُّ الغيومْ..

أهيّئها مخـزناً للنجومْ

ويمضي ندائي اليتيمُ البريءْ

شعاعاً يضئ..

وأحيا بيأسي.. بوعد المطرْ

ثم يتشبث بالأرض، بالحلم، بالبقاء، ويهتف:

كجذورِ السنديانْ..

كالصحارى، كالزمانْ..

سوف أَبقى..

سوف أَبقى..

ميِّتٌ ماءُ محيطي كالعَدمْ

زرعوا فيه "جزيرَةْ"

ثبًّتوها بعظامي المستجيرة

المحيطُ المَيْتُ.. باقِ

وأنا ملاَّحُه المهزومُ باقِ

وستنهارُ.. ستنهارُ " الجزيرة"

عندما تصحو عظامي المستجيرة

والواقع أن وراء هذا الأمل الجديد روحاً جديدة انبعثت من حوله..

ساعدُ المقاومة يشتدّ..

وتتوالى أعمال الفداء..

ويتردد صداها داخل فلسطين.. وخارجها.

ومن المقاومة والفداء يستقي الشاعر وحيه خلال هذه الفترة:

لم يكنِ انفجارْ..

ذاكَ الذي يدقُّ كل يومْ..

صدوركم.. يعود كلَّ يومْ..

كالطائر الذي ذبحتم فرخَه يعودْ

يحومُ حول عشه.

يمزّق الحدودْ..

لم يكنِ انفجارْ..

كان صُراخَ طفلةٍ كحبة الندى

من "قِبْيَةٍ".. كحبة الندى

من "دير ياسين".. أتذكرونْ؟

كان صُراخَ طفلةِ..

كانَ نداءَ الأرضْ

هذا الذي يؤرّق الجفنَ، يَرُجُّ الأرضْ

كان نداءَ أَمةٍ..

كان انفجارَ الثأرْ..

وتستمر أعمالُ الفداء، وتتوالى القصائد المفعمة بالاعتزاز والأمل:

وقيلَ: دقَّ فدائيُّ بقبضتهِ

بابَ الحياةِ على أنقاضِ داثرهِ

صوتٌ.. تَفَتَّحُ أبوابُ النهارِ له

وتستضئُ بخيطٍ من ضفائرهِ

في وحشةِ القبرِ.. في أعماق غُربته

تهلَّلَ القفرُ عن نجم لحائرهِ

يا خُطوةً..في ظلام الموتِ واثقةً أنتِ الطريقُ فشقيه لعابرِه

ومنها، بعنوان: " نعش فدائي":

كالسهمِ الأحمرِ مرَّ النعشْ

أعطانا معناه، ومضى..

كشرارةِ برقٍ مرَّ النعشْ..

ليقولَ: أنا الدربُ

قطراتُ دمي الدربُ

صمْتي، والموتُ يُجلّلني، صَمْتي الدربُ..

لمَ لا يختارُ طريقَ الموتْ

من يمضغُ كلَّ صباحٍ لوناً من ألوان الموتْ؟ ومما يلفت النظر في هذه المرحلة الإصرارُ على الثورة الحمراء، كما تعلن قصيدة: "كلمات في شفتي المقاومة" وأظن أن بعض فصائل المقاومة الفلسطينية اتخذت من هذه القصيدة نشيداً لها:

باسْمِ الشعبْ..

أقسم بالبرقِ العربيِّ النابتِ من صدر الشهداءْ

نحنُ الدربْ..

أقسم بالسيف المرفوع، بوهجكَ يا غضبَ الصحراءْ

نحنُ الدربْ..

أقسم بالوطن المسلوبِ ستبقى ثورتنا حمراءْ

يا وطنَ الكلماتِ الخُضْرِ..

تعيشُ على شفةِ الأجيالْ

كنتَ نشيداً، كنتَ نبياً،

كنتَ مزارعَ للأطفالْ

جاؤوا باسْمِ النارْ

صرتَ حكَايَةَ نارْ

تمضي الشعلةُ حتى النصرِ، وتبقى ثورتُنا الحمراءْ

ويسوّغ الشاعر الدعوة للثورة الحمراء في قطعة نثرية، لا تقلُّ شاعريةً عن الشعر، بعنوان: "المقاومة". ومنها هذه الفقرات:

يقولُ الصديقُ: لا أحبُّ منظر الدم.

ويجيبُ الشاعر: لا يحبُّ منظر الدم إلا سفاحٌ أوقاتل.

ومن ذا الذي يجادلك في هذا؟ لقد خلقنا لِتَشُدَّ يدٌ على يد، ويحنو قلب على قلب…

ولكن.. ما حيلتي إذا أُكرهتُ على رؤية مالا أُحبُّ؟

ما عسى أن يكون موقفك إذا ما استيقظتَ يوماً لترى سقف بيتكَ يتطاير، ويسقط قطعاً سوداً على رأسك، وجدرانه تُنسف لتُدفن أنت وأسرتك بين الأنقاض؟

ثم تعرف وأنت في حشرجتك الأخيرة أن إنساناً غريباً جاء من أقصى الدنيا..

وصمم عامداً أن يهدم دارك على رأسك، ويقضي عليك، لا لشيء، إلا ليتخلص منك ويحتل هو مأواك؟

هل يظل الدم دماً في مثل هذه الحال؟

أم أنه يصبح نداءً مقدساً ينشقُّ من أعماق الأرض، وينسكب من أطباق السماء، ليهتف بك:

قاوِم.. إدفعِ العدوان.. فإن مقاومة الشر، ورفضَ الظلم، هي حقك المقدس.. بل إنها مقياس إنسانيتك إذا ما كنت إنساناً حقاً.

هذا ما يفعله إخوة لنا ظلوا أكثر من ثلاثين عاماً يحشرجون بين الأنقاض.

في عام 1982 تأتي الهزيمة الثالثة، إثر غزو لبنان. وهذه ليست ثالثة الهزائم العربية- بالمعنى الضيق للكلمة - فالهزائم الصغيرة أكثر من أن تحصى. لكنها "ثالثة الأثافي" التي تمخضت عن توسُّع جديد للمحتل، وتشتيت كامل للمقاومة الفلسطينية، وتمزق فاجع

للأقطار العربية، كما مثلت ضربة قاصمة للكرامة العربية، وانزلاقاً للشاعر -من جديد- إلى هاوية اليأس.

أيةُ أرجوحة لا نهاية لصدماتها المدمرة كتب له.. لنا جميعاً.. أن نعيش فيها.

تحت عنوان "ذبحوا حتى الأشجار" يقول الشاعر:

في صيف 1982 قام الغزو الإسرائيلي بقطع جميع الأشجار على امتداد الشاطئ بين صور وصيدا، بحجة أن الفدائيين العرب يختبئون فيما بينها..

واستيقظَتْ شهوةٌ للقتل.. ما انطفأتْ

نيرانُها بعدُ في أنقاض بيروتِ

لم تُنْتَشَلْ جثثُ الأطفالِ.. ما برحتْ

آلامهم بين تدميرٍ وتشتيتِ

يا أمةً.. تَلْعَقُ السكين صامتةً

موتي..

فلم يبقَ ما نبكي له..

موتي..

إلا أن اليأس لم يدم طويلاً.. فالمقاومة ما زالت حية بالرغم من تشتيت رجالها في أصقاع الوطن العربي، وأصقاع العالم.

وإليها وجه الشاعر قصيدته "الفلسطيني الطائر" التي يقول فيها:

في الغربِ.. يزرعونكْ

في الشرقِ.. يزرعونكْ

في العتَمات السود.. في الضبابْ

في رجفةِ الحرابْ..

تودُّ لو تمحوكَ من ذاكرة الترابْ

وراء صمت الصمتِ، والنسيان يزرعونَكْ

يا أيها المذرورُ في ضميرنا..

وفي ضمير الأرضِ.. يا لهَب!

يا سورة الزلزالِ.. في جنازة العربْ

إلى أن يقول:

حتى إذا تشقق الضبابْ

وجاء جيلٌ.. يرفع الحرابْ

حينَئذٍ..

تكون أنتَ الرعد والمطر

والخصبَ والثمر..

حينَئذٍ..

تُفَجِّرُ الربيعْ..

تجئُ بالجميعْ..

فلينثروك الآن كي تضيعْ

في وَهْمِهم.. في عقمهم تضيعْ

إلى آخر هذه المرثيةِ- التحدي.. وأزعم- بلا انفعال- أنني لم أقرأ قصيدة مكثفة النبرة، صورت تشريد الفلسطيني، وإِطبـاق "المؤامرةَ" على وجوده، ووجودنا معه، مثل هذه القصيدة التي اقتبس الشاعر عنوانها من أسطورة "الهولندي الطائر" المعروفة.

وتروّعه مذابح "صبرا" و"شاتيلا" فيهتف من قصيدة بعنوان "لا تقل لي..":

منذُ دهرٍ..

قطعوا رِجْليَ في "اللد" ولحمي

لم يزل مختلطاً في الحُفَرِ الحمرِ "بصبرا"،

في سعيرِ الحقد لحمي.

ويصر على المقاومة. والثورة الحمراء:

يا عصرَ " أبناءِ الأفاعي".. لن أُهادِنْ

إنني أمضغ أكفاني صباحاً ومساءً..

لن أهادن..

إنني أُجْتَثُّ من جِلْدةِ رأسي..

من وريدي..

من عيوني..

لن أُهادِنْ

إنها لازمةُ الدمّ، نشيدُ الدمّ، مطلولاً وساخنْ

أنا من حيفا، ومن يافا…

وبيتي جثتي.. أمشي وتمشي.. لن نهادِنْ

ويختم القصيدة بقوله:

بين مدعوٍّ إلى العارِ..

ومدعوٍّ إلى السيفِ.. الصراعُ

وفي 9/12/1988، تبزغ الانتفاضة، مشكّلةً منعطفاً جديداً في تاريخ القضية الفلسطينية، وواحداً من النماذج العالمية المتميزة للثورة، في ظروف القمع القاسية التي يعاني منها أبناء فلسطين داخل وطنهم. فيباركها الشاعر منذ اللحظة الأولى، ويهدي إليها "نشيد الحجارة"، مشيداً بأبطالها، وهم:

أطفالُنا، المتشبثون بأرضهم وبشمسهم،

سيجازفون ببؤسهم، وخيامهم،

وبكِسْرة الخبز التي يَبست على فمهم،

نعم.. ويفجّرون الأرضَ تحتكَ،

أيها "الغَبَشُ" الدخيلُ.

وليس في أيديهمُ غيرُ الحجارة

ويرى فيها كُوَّةَ الأمل التي لن يستطيع المحتلُّ سدَّها:

هي وحدها.. قمر السفَرْ

هي وحدها.. زادُ السفرْ

وهي:

الغيثُ المدرار الذي يروي الأرض.

و:

سرُّ الصهيل في هامدِ الرملِ،

ووعدُ الخيولِ والمضمارِ

ولا تلبث الإنتفاضة أن تصبح محور قصائده التالية كلها. ففي الاحتفال بيوم الأرض، يقول في قصيدة بعنوان "الأرض..الجسد". وهي إحدى ذُرا الديوان الشعرية- في رأيي-:

ذات يوم.. سقطَ الخَنْجرُ في قلب الجسدْ

كانتِ الأرضُ الجسدْ..

قيل لي، حتى اختناقي في الصدى:

أنت انتهيتْ..

لا تُصارعْ.. لا تقاوم عبثاً..

أنتَ انتهيتْ..

لا تقاومْ.. لا تقاتلْ.. وانْتَفضْتُ

من جذور الأرضِ، في الأرضِ، انْتَفضْتُ

من بقايا الخرقة السوداء في الكوخ انْتَفضْتُ

سقطت كلُّ الحكايات- الأساطيرِ العتيقَةْ

كانتِ الأرضُ الحقيقة

وحدها.. كانت فِلسطينُ الحقيقة

هذا النموذج العالمي المتميز للثورة..

هذه الإنتفاضة التي أصبحت حديث العالم..

ما زالت مستمرة- بالرغم من القوى العاتية التي تحاول القضاء عليها بكل وسائل القمع والقتل والتشريد-.. ما زالت مستمرة... دليلاً حياً على أصالة شعب، وحياة شعب، وتشبثه بأرضه المغتصبة، وبحقه في الحياة على أرض الآباء والأجداد.

يقاومُ أطفالها.. ويقاتلون حتى يَضطروا "قادة الجيش الإسرائيلي" إلى مثل هذا النقاش فيما بينهم:

"إننا نحاربُ أطفالاً يقذفوننا بالحجارة منذ عدة أعوام..

فإن قتلناهم.. فيا لَلْخزي !

وإن هَزَمونا.. فيا لَلْعار !"

***

وحين ننتقل إلى قصائد الصغار، نبدأ بالتساؤل عن السبب الذي جعل سليمان العيسى يعطي الصغار هذه المكانة الكبيرة في نتاجه، على شكل أناشيد ومسرحيات وقصص. وهو يتساءل معنا قائلاً:

الصغارُ الضاحكون..

أتُراهم يعلمون

أننا لم نُسْلَبِ الأرض الجميلة

بل سُلبنا معها نُعمى الطفولة؟

قصةُ الأطفالِ في أنطاكيَةْ

في الصحارى النائية..

في قُسَنْطينةَ، في حيفا، ويافا

مزّقت غوراً، ونجداً، وضفافا

ويبدو أنه اقتنع مع الإنتفاضة بأن الذين:

نما وأيْنَعَ في أيديهمُ الحجرُ

يعلمون، ويأخذون المقاومة على عاتقهم، إلا أن صغار الوطن جميعاً يجب أن يعلموا أيضاً، وان يكونوا وراء من يقفون في الصف الأمامي من أشقائهم، وأن ينضموا إليهم، حين تتاح لهمُ الظروف.

من أجل ذلك.. كتب أدب الأطفال، وديوان الأطفال، أطفال فلسطين وأطفال الوطن العربي عامةً.

يشتمل ديوان الأطفال على عدد من الأناشيد التي تتناول مأساة فلسطين، يكفي أن نذكر منها نشيد "فلسطين داري" لأنه انتشر انتشاراً واسعاً، وحفظه الآلاف من الأطفال العرب ومنهم أطفال الأرض المحتلة، وهو يحكي في كلمات بسيطة قليلة قصة الغرباء والإحتلال، وطرد أصحاب الأرض من ديارهم:

وجوهٌ غريبةْ

بأرضي السليبة

تبيعُ ثماري

وتحتلُ داري

وينتهي بالتصميم على استعادة الحق:

وأعرف دربي

ويرجعُ شعبي

إلى بيت جدِّي

إلى دفءِ مهدي

فلسطين داري

ودربُ انتصاري أما المسرحيات الشعرية_ وهي سبع أيضاً كما ذكرنا_ فلها دور تربوي ومعرفي وعملي أوسع وأعمق، لأنها تقرب المفاهيم نفسها للأطفال عن طريق الصور المحسوسة التي تجسِّدها.

فمسرحية "النهر" تمثل للأرض بالنهر، ولأهل فلسطين بالمخلوقات الأليفة المسالمة التي تعيش على شاطئَيه منذ القدم، وللغزو الصهيوني بالغريب الذي يأتي المكان مدججاً بسلاحه، ويعلن امتلاك النهر،و إبعاد الجميع منه، وتشيد المسرحية باتفاق الساكنين جميعاً على المقاومة بكل ما تنطوي عليه من تضحيات،وانتصارهم على "الغريب".

ومن الأناشيد الرائعة في المسرحية:

من قلبِ الأرضِ،

يهزُّ الأرضَ،

يشقُّ الأرضَ نداءْ

لبَّينا الصوتَ،

أجبنا الصوتَ،

نبعنا نهرَ ضِياءْ

لبَّينا الصوتْ

وقهرنا الموتْ

وصحونا الآنَ،

مشينا الآنَ،

طلعنا جيلَ فداءْ

وفيها:

الظلمُ جبانْ مهما استكبَرْ

ردُّوا العدوان ثوروا يُقْهَرْ

ومسرحية "قنبلة وجسد" التي تمثل قيم الفداء، بنيت على حادثة الفدائي " عرفان عبد الله " الذي سقطت منه قنبلة يدوية، وارتمى فوق القنبلة، فغطاها بجسده حتى لا تؤذي أحداً.

ومنها هذا النشيد:

يا منبت السلام والرجالْ

يا موطني.. لَن يهدأَ القتالْ

لن يهدأَ الكفاحْ

لن نلقيَ السلاحْ

حتى يزولَ الغزوُ والغزاة

وتضحكَ الحياة..

والجدير بالذكر أن أول من غنَّى هذه المسرحية، وقام بأدوار شخصياتها هم أطفال روضة في دمشق، تتراوح أعمارهم بين الرابعة والسادسة، يدربهم ويقودهم شاب موسيقي موهوب لحن المسرحية، وقدمها مع أطفال الروضة التي كان يعلّم فيها، على مدرج جامعة دمشق، في مهرجان حافل للشعر العربي.. وكان هؤلاء الأطفال مفاجأة المهرجان في ذلك اليوم من عام 1971.

وفي مسرحية "الأطفال يحملون الراية" يذكّر الشاعر الأطفال بالماضي الزاهر لأمتهم وأبطالها: الفتح وصقر قريش وحطين وصلاح الدين.. ثم بما آل إليه أمر الأمة العربية في حاضرها. تقول الرايةُ فيها:

ما الذي أبصرتُ؟ أرضي وسمائي

مزَقٌ حُمْرٌ.. بأيدي الدخلاءِ

ما الذي أَبصرتْ؟

مثلكم قد صرتْ

مثلكم في وطني صرتُ غريبة

أرضُنا.. صار اسمُها الأرض السليبة

من أَرى بالقدسِ؟

ماذا في الشمالِ؟

بقعٌ سودٌ، وراياتُ احتلالِ

يا ملاييني التي تنبتُ في كل مكانْ

إصبغيني مرةً بالأُرجوانْ

إصبغيني بالكرامة.

وفي المسرحية الرابعة "الشجرة" دعوة إلى الوحدة العربية، يهتف فيها الأطفال:

يا دوحتَنا..

ضمينا، أَنهى غربتَنا

سنفتش عنكِ،

نسيرُ إليكِ، نسيرُ وأعينُنا السَّحَرُ

منكِ بدأْنا..

منكِ سنبدأْ

يومَ اغتربتْ هذي الشمسْ

ضعنا نحن، وضاع القدسْ

أما مسرحية "البطاقة" فهي دعوة إلى مؤازرة العمل الفدائي بالمال والروح.

ولعل أجمل هذه المسرحيات الغنائية- كما يسميها الشاعر في المجموعة الكبيرة التي ضمتها- مسرحية "الغربان في بستان العم أبي سلمى".

والغربان- فيها- هم الغرباء، وهم اللصوص الذين انقضّوا على البستان المكسو بخضرة الزيتون، والمعطر بشذى الليمون والورد. وزرعوه بكرات النار.

تقول المسرحية:

من وراءِ البحارْ

جاءتِ الغربانْ

جاءتِ بِكُراتٍ من نارِ

في المخلبِ،

في العين الحمرا،

في المنقارِ

احتلُّوا البستانْ

طردوا مَنْ فيه، وحلُّوا فيه

وصار أبو سلمى لاجئْ..

وهناك أخيراً مسرحية "القطار الأخضر". قطار الوحدة العربية الذي يجتاز الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه، وفيها يمر "القطار" على حدود فلسطين-الأرض المحتلة- غير قادرٍ على اختراقها، ويقف هناك مندداً باللصوص الذين:

سرَقوا عُشَّ اليَمامْ..

زرعوا بالنار بستانَ السلامْ

فيتردد صوته عميقاً قوياً، كأنه يتغلغل في أعماق الأرض المحتلة. ويستجيب له الأطفال الذين يعيشون تحت الاحتلال البغيض،فتستيقظ فيهم روح جديدة تحاصر الغزاة في كل ذرة من تراب الوطن المغتصَب..

ويتلقى "القطار" برقيةً من أطفال غزة، وأخرى من أطفال القدس، يعدونه فيها بمقاومة الإحتلال، والتمسك بالهوية العربية مهما كان الثمن:

عصافيرُكَ الضائعونْ

وراءَ المنافي، وراءَ السجونْ

لهم يا قطارَ الأماني قضيَّةْ

ونحن البراعمُ.. نحن البراعمْ

وراءَ الحدودِ، الحدودِ القواتمْ

نفتشُ عن أهلِنا، عن هُوِيَّةْ

ستبقى، كما خُلِقَتْ، عربيةْ

هذه لمحة عن قصائد فلسطين، وهي بحد ذاتها لون من أَلوانِ المقاومة. بعضُهم يقاتل بالسلاحِ، والبعضُ الآخَرُ يقاتل بالحجارة، أما الشاعر فإنه يقاتل بالكلمة.

فما الذي تفعله الكلمة ؟

إنها تفضح المؤامرة والمتآمرين..

إنها تساند الضحية في كفاحها للوصول إلى حقها..

إنها تنبه الآخرين، وتستثير مشاعرهم النبيلة، وتدعوهم إلى الوقوف في صف الحق.

وهي على كل حال بعض من نبض الشاعر الحي، وهو يعيش المأساة الفلسطينية-العربية لحظةً بلحظة من 1947 إلى 1992

أما سليمان فيقول عن هذه القصائد:

"يتساءل شاعر فلسطيني بارز: هل يُعقل أن نؤرخ لفلسطين دون أن نؤرخ للحياة العربية؟

وأجيب عاكساً السؤال: هل يُعقل أن نؤرخ للحياة العربية دون أن نؤرخ لفلسطين ؟

أرجو أن يجد القارئ في هذه الصفحات تاريخاً شعرياً لجرحنا العربي الأول على امتداد زُهاءِ نصف قرنٍ من الزمن."

دمشق: 1995


سليمان العيسى

في الجانب التربوي من نتاجه

 

ليست هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها أو أتحدث فيها عن رجال التربية العربية في الماضي والحاضر، فهذا الموضوع هو مجال اهتمامي الأول في كلية التربية بجامعة دمشق، ولكنها المرة الأولى التي اشعر فيها بالحرج، لأن موضوع البحث هو زوجي.

وقد يرى البعض في هذه القربى عاملا يحيــد بي عـن الموضوعية المطلوبة في البحث العلمي. وهذا ما يجعلني أتردد حتى الآن في تناول تجربة سليمان العيسى التربوية.

إلا أنني شعرت مع الزمن بان هذا الوضع بالذات، أي معايشتي لهذه التجربة في جميع خطواتها وأبعادها، بالإضافة إلى اهتمامي الخاص بتاريخ التربية، قد يساعدني بصورة أكبر على عرضها وتحليلها، بل على نقدها أيضاً. لذلك حزمت أمري، وقررت القيام بهذه الدراسة التي أرجو لها أن تكون تمهيداً لدراسات تالية يقوم بها غيري، وحافزاً لها.

إن التربية_ كما نعرف _ فكر وعمل..

فكر يرتكز على خبرة عملية ميدانية..

وقد يلتفت المربي إلى ناحية، تاركاً لغيره الاهتمام بالناحية الأخرى، وقد يجمع بين الطرفين.

من هذه الزاوية أراني أبداً الحديث عن التربية في نتاج سليمان العيسى.

* * *

لم ينتظر سليمان العيسى حتى تتكامل عنده نظرية عامة في التربية، ليبدأ عمله في هذا المجال، فقد سار النظر والعمل عنده، بصورة عامة، جنباً إلى جنب. والأصح أن نقول: أن النظر عنده سبق العمل في البداية، فنفخ فيه الروح ووجهه في خطوطه العامة، ثم تجاوز العملُ النظرَ في فترة لاحقة، فقوَّمه وأغناه جملة وتفصيلا.

وهذا الظرف المتميز الذي أفاد منه سليمان إلى أبعد الحدود، يفسر لنا الأثر الكبير الذي تركه في التربية.

بدا سليمان حياته في مجال التربية في كُتَّاب أبيه في القرية، تلميذاً وعريفاً. كان آنذاك يتعلم من أبيه ومن قراآته، ويمتحن علمه عن طريق الاستماع إلى التلاميذ الآخرين وتصحيح أخطائهم، وقد أكسبته هذه التجربة معرفة عميقة بالتعليم الأصلي العربي_ الإسلامي: أهدافاً ومناهج وطرائق ووسائل ومعلمين ومتعلمين.

ثم انتقل بعد ذلك إلى المدينة، واستبدل بالكُتَّاب المدرسة الحديثة، حيث اقتصر دوره على التلمذة، في حين استطاع النهوض وهو في مطلع العمر بدور فعَّال، عن طريق النضال وقول الشعر، في

الحركة القومية التي قادها الأستاذ زكي الأرسوزي. وهكذا برزت شخصيته في اللواء ثم في أرجاء أخرى من الوطن العربي من خلال بعدين رئيسيين هما: البعد الأدبي والبعد القومي. وثوى البعد التربوي ينتظر أن يطَّلع الشاعر القومي على التيارات الحديثة في التربية أثناء دراسته في دار المعلمين العالية ببغداد، وأن يكوِّن فكره التربوي المستقل أثناء عمله في التعليم في المدرسة الثانوية وكانت التربية، خلال هذه التجربة الطويلة، السلاح الثاني الذي شهره بعد الشعر لتحقيق أهدافه القومية.

وهكذا تكامل في شخصية سليمان العيسى ونتاجه ثلاثـة أبعاد هي: النضال القومي وهو البعد الأول والوسيلة الأولى، والكتابة الشعرية والنثرية والتربوية، وهما البعدان الآخران والوسيلتان اللتان استأثرتا بنشاطه في العقدين الأخيرين.

إلا أن دوره التربوي، بكل معنى الكلمة، لم يتضح قط بالنسبة للخاصة والعامة على السواء. فقد حصره الكثيرون في الأناشيد والقِطَع الشعرية التي كتبها للأطفال، ولم يخطر ببال أحد أن يربط فكره القومي بتطبيقاته التربوية، وما أناشيد الأطفال إلا واحد من هذه التطبيقات.

"لماذا أكتب للوحدة؟

أنا إنسان عربي،

رأى نفسه يُقتلَع من داره،

من تحت شجرة التوت في قريته،

يحرم لغتَه وتراثَه،

وأرضه وقريتَه..

ويُلقى به في الغربة طفلاً مشرداً،

منذ أكثر من ثلاثين عاماً،

لماذا ؟

ويجيب عن التساؤل قائلاً

الحُلُم الضخم الذي عشت من أجله،

وما زلت أعيش…

هو أن تكون لي دولة عربية كبرى

قادرة على أن تحمي أطفالي..

فلا يقتلعهم من يشاء،

ساعة يشاء من بيوتهم..

ويُلقي بهم إلى أي مصير أسود يتلقفهم في الطريق"[5]

ومن الحق أن نشير بهذه المناسبة إلى أن المربي ساطع الحصري أكد على المبدأ نفسه من قبل، واتخذه منطلقاً لفكره التربوي أيضاً. إلا أن الأزمة الحضارية التي تعاني منها الأمة العربية لم تكن ماثلة في ذهن ذلك المربي القومي وأبناء جيله بنفس الصورة التي تجلت بها لدى الأجيال التالية.

كان الخطر الذي يتهدد الأمة العربية يتمثل في رأي القوميين الأوائل في محاولات التتريك التي قام بها الحكم العثماني في نهاية عهده. ولذلك نادوا بالاستقلال عن الدولة العثمانية وجمع العرب في دولة واحدة، معتقدين أن تحقيق الغرض الأول يؤدي بالضرورة إلى تحقيق الغرض الثاني، لا سيما أن العرب يمتلكون المقوّمات الضرورية لتشكيل دولة الوحدة. ولكن الأمور لم تسر وفق هذا الاعتقاد، وظهر للأجيال التالية أن عدم سيطرة العرب على مصيرهم يرجع بالدرجة الأولى إلى تخلفهم، حضارياً، وأن خلاصهم رهن بتخلصهم من التخلف.

لهذا طُرِح شعار البعث، بعث الأمة العربية، لإيقاف انزلاقها في طريق الفناء. ورأى سليمان العيسى في هذا الشعار تعبيراً صادقاً عن وعي المفكرين القوميين خطورة الأزمة التي تعاني منها الأمة العربية، لذلك تشبث به، وراح يعمل على إعطائه مدلولاً يستهدي به في كتاباته وعمله التربوي.

2_الماضي والمستقبل

إن فكرة البعث، كما يتصورها سليمان العيسى، تشير إلى الربط بين الماضي والحاضر والمستقبل في عملية تجديد إبداعية.

لم يخطر ببال سليمان قط أن يعمل على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، أي إعادة الماضي كما كان في أوج ازدهاره، حتى فيما يتعلق باللغة العربية، وهي دعامة الماضي. ولكنه نذر نفسه للتعرف إلى نقاط الضعف في الماضي، تلك النقاط التي تسد أبواب المستقبل، ونقاط القوة التي تصلح مرتكزاً لهذه الأبواب.

ولكن ما الماضي؟

ما مضي الأمة العربية؟

وما المستقبل الذي نَنشدُه لهذه الأمة؟

وتكشف لنا كتاباته الشعرية والنثرية على السواء أن تحديده للماضي يعتمد على العلم، أي على معطيات الدراسات التاريخية والحفريات الأثرية في وادي الرافدين ومصر والشام وغيرها من بقاع الوطن، لئلا يكون أي خلاف على ذلك بين أبناء الوطن.

وقد ساقته مطالعاته في هذا المجال إلى تكوين مفهوم موسَّع للعروبة، يمكننا تعرف أبعاده من هذا المقطع، يقول:

" العروبة التي عنيتها وما زلت، نسيج حضاري هائل، ضارب في أغوار التاريخ، تشابكت فيه ملايين الأصول والفروع لتعطي الإنسان أكرم ما أعطاه شعب على وجه الأرض،

وأبعدُ نحن من عبسٍ

ومن مُضَرٍ، نعم أبعَد

حمورابي وهاني بعلُ

بعضُ عطائنا الأخلَد

ومن زيتوننا عيسى

ومن صحرائنا أحمـَد

ومنا الناس- يعرفها

الجميعُ- تعلَّموا أبجد "[6]

أو المقطع التالي:

" أنا خلية في جسد

تبحث عن ملايين الخلايا من أخواتها

وتكافح بلا هوادة

لكي يتحركَ الجسد، وتتفتح الحياة،

وجسدي هو أمتي

التي مدت جسور الحضارة بيني وبين العالم

منذ وُجد العالم، وكانت الحضارات."[7]

وأما تحديده لمعالم المستقبل فيعتمد فيه على العلم والأخلاق معاً. المستقبل هو الوطن العربي الموحد، الاشتراكي،الذي تصنعه الجماهير الكادحة بوعيها وكدها، وطن العمل الجاد، وتكافؤ الفرص، والعلم والنضال ضد الاستعمار بكل أشكاله.

3_الأصالة والتجديد

والربط بين الماضي الحضاري والمستقبل يتم عن طريق نقد التراث في عملية دؤوبة قاسية إلى أبعد الحدود. فالارتباط بالماضي ليس ارتباطاً عاطفياً، كما يقول الشاعر على لسان الأصمعي:

ولا تُطيلوا المكثَ فوق الطلول[8]

بل هو ارتباط عقلي عملي، غايته تجديد التراث في جوانبه الحية الغنية، واستبعاد الجوانب العائقة للتطور.

وتجديد التراث عملية مبدعة في الحقيقة، لأنها عملية اختيار: اختيار من التراث، واختيار من الثقافة العالمية، وقفزة تتجاوز الطرفين وتعطي الإبداع المطلوب.

والاختيار السليم يبنى على معرفة: معرفة عميقة بالتراث أولاً. "فالتجديد، كما يقول سليمان العيسى، مسئولية. إنه جهد وعرق وكفاح لا يهدأ ولا يستريح.. إنه تراث نغوص فيه، نتتلمذ عليه، نركع أمام أعمدته، نشربها بعيوننا، نحفظها بأعماقنا، نصبح قطعة منها وتصبح قطعة منا، ثم نبدأ بعد ذلك.. نبدأ أول خطوة في طريقنا الجديد الشاق الطويل."[9]

وهو يبنى على معرفة عميقة أيضاً بالثقافة الإنسانية.

يقول سليمان العيسى:

"وأعترف أني كنت مشدوداً إلى التراث في الفترة الأولى من نتاجي، وكانت ظلال القرآن والمعلقات وديوان المتنبي تحيط بي، وتشد على يدي في كل قصيدة أكتبها. ولكني ما لبثت أن انفتحت على عوالم جديدة عندما أخذت أطالع بشغف الآداب الأجنبية.

ويضيف:

"أن تعتصر المتنبي ولوركا.. والمعري وغوته.. ثم تقف على قدميك، وترى الدنيا بعينيك، تلك هي الحداثة والمعاصرة.. بكلمة أدق تلك هي الأصالة فيما أرى."[10]

4- القومية والإنسانية

وهنا يتجلى الطابع الإنساني للقومية العربية كما يراها سليمان العيسى. إن الثقافة القومية تغتذي من الثقافة العالمية وتصب في مجراها. كما أن العرب يشاركون شعوب العالم آلامها وآمالها والخيط الذي يفصل بين القومية والإنسانية خيط رفيع جداً، لابد من أن يزول يوماً ما عندما يحقق العرب، ويحقق المضطهدون، أهدافهم في التحرير. يقول سليمان:

"أنا جزء من أمتي ونحن جزء من الإنسانية، ولا سيماالمقهورة المعذبة منها، تريدني أن أكون صادقاً معها، تريدني أن أتنفس برئتي، وأحس بأعصابي، وأدافع عن وجودي المهدد.. عن إنسانيتي، وعندئذ سألتقي الإنسانية كلها، وأحيا فيها وتحيا فيّ…".[11]

5- الإنسان المتشرد

يتوقف بعث الأمة على بعث الإنسان العربي، على ظهور الإنسان المجدد، المبدع، المناضل، الثائر الذي يعرف كيف يبني بيته الجديد على قلاع التراث الراسخ المكين.

"السندباد الذي يقاتل ساحقــاً،

على طريق الوحدة والحرية والنور

صابغاً أرضنا الطيبة بدم الشهادة

كافراً بالتخلف

وبكل ماتركه التخلف لنا من إرث مريض."[12]

أما مهمة التربية والمربين فهى تتمثل في تهيئة الظروف المساعدة على ظهور هذا الإنسان.

يقول سليمان في "دفتر النثر":

"أما أنا … فلا أرى بين الأشياء الثمينة شيئاً أثمن من كشف موهبة، موهبة مدفونة في طوايا الغيب.. ميلاد ينبوع مايلبث -

إذا وجد طريقه - أن يغمر الأرض من حوله بالورد، ويثقل راحتها بالثمر …"[13]

موهبة لاتؤثر الراحة.. ولاتخالف السفر والغبار."[14] والحقيقة أن كلّ طفل - في رأي سليمان العيسى - طاقة إبداع، والمهم أن نعرف كيف نصل إليها ونفتحها، أو نتركها تتفتح على الأصح.

إن الأطفال ثروة الأمة، وعلى تفتح طاقاتهم يتوقف بعثها.وهذا النمو أو التفتح لايتم عن طريق ماينادي به جان جاك روسو من تربية سلبية،

أو عدم تدخل من قبل المربي، وإنما عن طريق تدخل واع، من اقتراح للأنشطة، إلى المساهمة في تنظيمها ولإشراف على تنفيذها. فتنمية طاقات الإبداع عند الصغار تتطلب جهداً مبدعاً من الكبار.

أن الطفل العربي لا يملك أن يلعب بلا مبالاة في ظل الظرف التي تحياها أمة، وفي ظل المستقبل المظلم الذي يهدده ويهددها. لذلك علينا أن ندفعه إلى التفكير، إلى التخطيط، إلى العمل بهمة ونشاط حتى حينما يلعب. إن عليه مسؤولية جسيمة يجب أن يشعر بها ويعي حجمها منذ نعومة أظافره. وهكذا يرتبط عنده اللعب بالواجب، والترويح بأداء المسؤولية، ويصبح هذا النشاط المتكامل مصدراً لإغناء نفسه وتكوين شخصيته، وإطاراً تتفتح فيه طاقاته المبدعة.

إن إنسان البعث، كما يراه سليمان العيسى، ليس عقلاً مطلقاً (كما يبدو في فكر إبن طفيل أو ديكارت)، وليس خيراً مطلقاً (كما يبدو في فكر جان جاك روسو)، وليس كائـناً إجتماعياً صرفـاً (كما يتجلى في فكر اميل دوركهايم)، إنما هو شخصية متكاملة تتميز بالوعي والشعور بالمسؤولية، وتملك الطاقات الإبداعية التي تدفعها إلى تجديد نفسها باستمرار، وتجديد أمتها في الوقت ذاته.

"هيَّات للرحيل

طفولتي وبيتي القرميد

مسافرٌ أنا غداً

في وطنُ الأمواتِ والعبيد"[15]

لذلك كانت أولى مقومات الإنسان الذي ينادي به هي المسؤولية: مسؤولية بناء المستقبل، بناء الوطن، تجديد شباب الأمة، وذلك من أجل أن:

يتحرك جسد الأمة الذى همد منذ فترة طويلة وتستيقظ عظامها ويكون أبناؤها أبناء الحياة.[16]

6- الحرية والمسؤولية

إذا كانت أولى مقومات الشخصية العربية هي مسؤولية التجديد والإبداع، فإن أول الشروط الذي يجب أن يتوافر لها هو الحرية.

"على الحفيد ألا يقبل يحمل عيني جده ويرى بهما العالم، عليه أن يرفض الجمود والتقليد في عصر تتغير فيه الدنيا كل دقيقة.. بل كل ثانية..".[17]

ولكن ما المقصود هنا بالحرية ؟ وهل يعني ذلك أن يفعل الإنسان العربي ما يشاء،كما يشاء وحين يشاء، ولو أدى ذلك إلى الإضرار بنفسه، وبالامة التي ينتمي إليها ؟

لا! يقول سليمان العيسى:

" لا أستطيع أن أفهم الحرية على أنها مسألة تتعلق بوجودي وحدي. سأكون واهما إلى حد السذاجة إذا تصورت أن خلية بمفردها تستطيع أن تكون حرة في جسد مريض "

بل:

" الحرية هي أن يكافح الإنسان

ليعطي أجمل وأنبل ما يستطيع أن يعطيه

والكفاح شرط أساسي من شروط الحرية

بل هو لبها وجوهرها.

إن مسؤولية الإنسان تتضمن مسؤوليته عن إمكانيته، لأن خلاصه وخلاص أمته يتوقف على الاستخدام الأمثل لهذه الإمكانات

ولا يتم الاستخدام الأمثل للإمكانات الإنسانية إلا بالتحرر من الخوف واللامبالاة.

أن يحمل الإنسان هماً، ويكافح من أجله متخطياً الصعاب. هذا هو مفهوم الحرية الذي يتردد في مؤلفاته كلها.

هذه المبادئ الأساسية تركت بصماتها على نتاج سليمان العيسى الذي تشكل التربية بعداً من أبعاده.

والآن ننتقل إلى مجالات نشاطه التربوي نظراً وعملاً

ثانياً: مجالات النشاط

1_تجديد التراث يعطي سليمان العيسى أهمية كبرى للتراث في تربية الإنسان العربي وما التربية_ في نظره _ إلا سلسلة من العلميات تبدأ بالاطلاع على التراث وحفظ جوانب هامة منه، يتخللها بصورة مبكرة أغتناء بعناصر ثقافية معاصرة منتقاة، تفسح المجال لعقد مقارنات عفوية، وقيام محاولات جادة للنقد والتوفيق، وهذه تقود بدورها إلى تجاوز المعطيات الأصلية.

وإذا كان الأمر كذلك،فمن واجب المربيين أن يبدأوا بتربية أنفسهم،فيطَّلعون على التراث،ويمارسون عملية نقده بالأستاذ إلى خبراتهم في المجالات المختلفة،ثم ينتخبون الجوانب الهامة فيه لتقديمها لتلاميذهم وطلابهم. وعملية النقد هذه ليست نهائية،كما أنها ليست فردية في النهاية،لأنها يجب أن تكون موضع حوار بين الكبار من جهة، وبينهم وبين الصغار من جهة أخرى، وهي متجددة جيلاً بعد جيل، وما تقوم به إن هو إلا خطوة أولى.

من هنا بدأ سليمان العيسى، فعرض في نتاجه نماذج إيجابية وسلبية من التراث وشفع العرض بالنقد. يبرز هذا الجهد في آثاره التي قدمها للكبار، وتلك التي كتبها للصغار على السواء.

ومن الآثار التي يتجلى فيها هذا الجهد ديوانه " اغنية في جزيرة السندباد "، الذي بدأ سليمان كتابته في البصرة، تلك المدينة التاريخية التي تحرك في جنباتها أعلام كبار في اللغة والأدب.

ينقلك هذا الديوان إلى أجواء "ألف ليلة وليلة" جديدة، بطلاها الشاعر وشهرزاد الأسطورة، التي تعرف جيداً أن ضيفها لم يأت هذا المكان إلا لمناجاة أرواح هؤلاء الأعلام الكبار، فتحضر له الخليل بن أحمد، والجاحظ وأبا نواس والأصمعي. وخلال الحوار الذي يدور بين الشاعر وهؤلاء الرجال نعرف أن الشاعر يعترف بفضل الخليل بن أحمد والجاحظ لأنهما أعطيا الأمة زاداً لا ينضب، ولكنه يجعل الأصمعي يلوم الشاعرين الكبيرين جريراً والفرزدق لأنهما بددا مواهبهما في نظم النقائض. تلك جوانب من تراثنا يجب ألاَّ نشغل بها أو يشغل بها أبناؤنا. كما يلوم أبا نواس لأن ثورته وتمرده لم يوجها لإصلاح الموروث وتطويره بل لهدمه وتدميره.

أما الآثار الأخرى التي تتناول موضوعات التراث فهي:

جَبَلة بن الأيهم، الأمير الذي يتمزق بين عنجهية الجاهلية والرغبة في الانضمام إلى الأمة التي اتخذت الإسلام ديناً. ولكن العنجهية تتغلب عليه فيحكم على نفسه بالغربة.

وأبو محجن الثقفي، الشاعر الذي يهوى الحرية فرديةً، فيصطدم بالنظام الذي أحكمه الخليفة عمر بن الخطاب. ولكن طاقاته لم تتفجر إلا ضمن الجماعة، حين أتاحت له زوجة سعد بن أبي وقاص الاشتراك مع إخوانه في معركة القادسية.

وميسون، الفتاة الدمشقية التي أحيت ضمائر أهل مدينتها، فهبوا يدافعون عنها أمام غزو الفرنج.

وإنسان، العبد الأسود الذي أعطى الأمير معن بن زائدة الشيباني درساً لا ينسى في الكرم.

وهناك قصائد ومقاطع منثورة في جميع مؤلفاته للكبار تنهل من المعين نفسه.

وحين انتقل سليمان العيسى إلى الكتابة للصغار، سار على الطريق ذاتها، فوضع مؤلفاً خاصاً يتناول التراث، وهو "شعراؤنا يقدمون أنفسهم للأطفال" وقد انتقى أعلامه بدقة كبيرة حرصاً على أن يقدم فيهم نماذج للقيم العربية الإيجابية، وينقد عن طريق بعضهم القيم السلبية.

أما مسرحياته فهو يجمع فيها بين الموضوعات التي يعرض فيها التراث وينقده مثل "الأطفال يزورون المعري" و"المتنبي والأطفال"، والموضوعات التي تبرز القيم المعاصرة. ففي "قطرة المطر" دعوة إلى التفكير العلمي في مجال بناء السدود، وفي"شجرة أحمد" دعوة إلى العمل بصورة عامة وإلى العمل الزراعي بصورة خاصة، وفي "النهر" دعوة إلى النضال ضد الاستغلال، وفي "قنبلة وجسد" دعوة إلى الفداء، وفي" الغربان في بستان العم أبي سلمى" تمثيل لفظائع الاحتلال الصهيوني ودعوة إلى المقاومة، وفي "أحكي لكم طفولتي يا صغار" دعوة إلى الارتباط بالأرض والحياة مع الطبيعة، ورفض الاحتلال وتغيير الهوية القومية.

2_تجديد اللغة العربية

وضع اللغة العربية في عصرنا هذا يشبه وضع صنم مهشم الأطراف،تتنازعه فئتان: فئة نزقة ترمي به جانباً لئلا تشغل بترميمه، وفئة متعصبة تحدب عليه وترفعه إلى حيث لا تناله الأيدي.

وسليمان العيسى يرى في كلا الموقفين خطراً يتهدد الأمة العربية، لأن اللغة عماد الأمة. إنه يرفض موقف التشكيك بمرونة اللغة العربية وقدرتها على مجاراة حاجات العصر، كما يعارض موقف الإصرار على أن اللغة حقيقة وجدت دفعة واحدة وبصورة كاملة، لذلك كانت لا تقبل التغيير اطلاقاً.

" لغتنا شجرة وليست حجرة " كما يقول." إنها غنية بوسائل الاشتقاق،وهي أبداً تفتح صدرها لكل جديد، وترحب بكل كلمة عربية تأتيها،لقد عربت ألوان الثقافات في الماضي وازدادت بهذا التعريب ثروة ما بعدها ثروة،وغنى ما بعده غنى. فلِمَ لا يكون اليوم كالأمس ؟ ولِمَ تعجز العربية الآن عما اضطلعت به في الماضي ؟ "

إن اللغة العربية جزء من الوجود القومي،تزدهر حين يزدهر،وتجف حين يجف،وتخلفها الحالي يرجع إلى تخلفنا نحن الناطقين بها،شأنها في لك شأن جميع جوانب حياتنا،لذلك كان من الضروري إعطاء الإصلاح اللغوي أولوية في خطط التنمية الشاملة التي تعمل على تحقيقها.

وفيما يتعلق بإصلاح اللغة العربية،يرى سليمان العيسى أن الموضوع ذو شقين:

1_ التعبير في ميدان العلم والتقنية.

2_ التعبير في ميدان الأدب والفن والعلوم الإنسانية.

أما في ميدان العلوم البحتة والتقنية،فمن الضروري في رأيه أن نتجاوز الموروث ونأخذ بأساليب التعبير التي توصل إليها العلم الحديث من مصطلحات وقوانين، فاللغة العلمية تتقارب باستمرار لتسهيل انتقال المنجزات العلمية والتقنية بين شعوب الأرض.

وأما ميدان العلوم الإنسانية والآداب والفنون، فهو يتضمن جوانب متعددة، لا تستطيع أن تصدر حكماً عاماً بشأنها.

ويمكن أجمال هذه الجوانب في اثنين: الأول هو بنيان التعبير (أو بنيان اللغة).

والثاني هو الأداء والإيصال، أي الأسلوب الذي يتخذه الأديب أو المفكر وسيلة للتعبير.

أما بنيان العبارة فهو أشبه بمنظومة الجسد، تتضافر خلاياها في أداء الوظائف التي تتـَّسق بها الحياة.وهناك، ضمن هذا البنيان أسس يجب أن تحفظ وتصان -كرفع الفاعل - لأن الرفع وظيفة وليس عرضاً طارئاً، ونصب المفعول به لأنه وظيفة أيضاً.. وإذا خطر لأحد منا أن يتجاوز هذه الوظائف، فإنه يكون كمن يحمل سكيناً ويمزق أوصال الجسد، وهو لا يفقه من الجراحة شيئاً.

ولا مجال للاحتجاج هذا بوجود صعوبات في تعلم هذه القواعد الأساسية لأن هذه الظاهرة ليست خاصة باللغة العربية، ومن الممكن التماس طرائق جديدة تبسط القواعد وتساعد على إتقانها.

أما القواعد غير الأساسية، كالممنوع من الصرف مثلاً، فهو ترف لغوي يمكن تجاوزه دون أن يمس ذلك بكيان اللغة ووظائفها الأساسية.

وأما الأداء أو الإيصال، وهو ما يشار إليه عادة بكلمة أسلوب، فمجال التغيير فيه لا تحده حدود، بدءاً من الكلمة التي تستطيع أن تحمل كل يوم شحنة جديدة..حتى العبارة التي تستطيع الموهبة القادرة أن تلوِّن فيها وتبدع ما تشاء.

هذه مبادئ عامة تتعلق بالتعبير، ولكن للغة جانباً آخر وهو الكتابة، وقد أصابها من التخلف ما أصاب التعبير بل أكثر. فآخر إصلاح للكتابة العربية يعود إلى القرن الأول الهجري حين تم التنقيط والاعجام.وقد تمثلت الكتابة العربية التنقيط بحيث أصبح جزءاً منها، ولكنها رفضت الحركات (وهي الضم والفتح والكسر والضمتان والفتحتان والكسرتان والتشديد) لأسباب عدة.وبقيت هذه الحركات مستقلة في الكتابة عن الكلمة الأصلية، لا تثبت إلا في حالات خاصة. وهذه مشكلة تعوق إتقان اللغة، وتهدر جهود أبناء اللغة ووقتهم في فهم النصوص وقراءتها بصورة صحيحة.

وقد طرحت اقتراحات عدة لإصلاح الكتابة العربية، إلا أنه لم يتخذ قرار بشأنها، مع أنها حاجة ملحة من حاجات التنمية أيضاً.

واعترف أن هذا الموضوع لم يأخذ حيزاً كبيراً في كتابات سليمان العيسى وجل ما نشاهده فيها مقطع صغير يذكره على هامش "صعوبات الهمزة في الإملاء"، ويقول فيه:

".. وأنا قانع بأن خطنا العربي الجميل بحاجة كله إلى من يحل مشكلته ويجعله ذات يوم يقرأ على الفور مضبوطاً بالشكل، ويتخلص من هذه الصعوبة في فهم الكلمة العربية المكتوبة أولاً.. ثم قراءتها على الوجه الصحيح ثانياً. تلك ارستقراطية في الثقافة، ما أظن عصر السرعة يُقرنا عليها، أو يجيزها ويتسامح بها".

أما فيما يتعلق بالهمزة فهو يعلق على الصعوبات التي كان تلامذة الكتَّاب يواجهونها أثناء درس الإملاء، قائلاً:

"هذا الحرف الذي كان وما زال عبئاً ثقيلاً على مدارسنا وطلابنا، بل على تراثنا المكتوب كله. ليت علمائنا القدامى أولوه بعض الجهد، وحلوا لنا هذه المشكلة… ليتهم أثبتوها على صورة واحدة، سن أو نبرة فوقها عين مقطوعة، كما أثبتوا حرف الباء أو التاء أو ما شابه من الحروف" والحقيقة أن خطورة موضوع الكتابة العربية برمته تتطلب من سليمان العيسى أكثر من تعليق عابر.

3-أسس تعديل كتب اللغة العربية

أشرف سليمان العيسى، خلال عمله في التوجيه التربوي، على تعديل كتب اللغة العربية، فرأى في ذلك مناسبة لوضع مفهومه في الأصالة والتجديد في الثقافة العربية موضع التطبيق.

فالأصالة تعني بالنسبة إليه- كما رأينا - معرفة التراث، قديمه وحديثه، معرفة تساعد على اختيار العناصر الحية فيه، ومعرفة الثقافات الأجنبية بصورة تساعد على الإفادة منها، ثم تجاوز هذه المعارف لإبداع حلول جديدة للمشكلات المطروحة.

لذلك رأى أن يفتح في كل كتاب ثلاث نوافذ:

تطل الأولى على التراث العربي القديم.

والثانية على النتاج العربي المعاصر.

والثالثة على التراث العالمي الإنساني.

ومن الطبيعي أن يأخذ بعين الاعتبار، لدى اختيار النصوص:

عمر الطالب وسلامة الأداء وجمال الفن والانفتاح على

الحياة وخدمة الغرض التربوي التقدمي، كما يقول.

وقد تبين خلال العمل أن معظم النصوص القديمة لا يمكن أن تدرج في الكتب بصورتها الأصلية، لأن هذه المعايير لا تجتمع في نص واحد، لذلك كان من الضروري إجراء بعض التعديلات فيها حين تقديمها. ففي قصة "الحمامة والثعلب ومالك الحزين" المأخوذة من كتاب "كليلة ودمنة" اضطر المؤلفون إلى أن يستبدلوا بالخاتمة التعسة، وهي انتصار الثعلب المعتدي، خاتمة سعيدة ينتصر فيها الحق على الباطل مراعاة للأهداف التربوية. وفي أمثلة أخرى اضطروا إلى تبسيط العبارة مراعاة لسن التلاميذ، أو إلى تغيير بعض الكلمات أوالتصرفات التي لا تقبلها قيم العصر الفنية أو الخلقية.

وانسجاماً مع موقفه القائل بأن اللغة وسيلة، وأن التعبير المبدع في كل ميدان من ميادين الحياة هو الغاية والهدف، قسم سليمان العيسى الكتب المدرسية في القراءة إلى محاور يشتمل كل منها على عدد من النصوص، وحرص على أن تتنوع هذه المحاور وتتعدد حتى تشمل جوانب الحياة الهامة كلها: البيت، الأسرة، المدرسة، الوطن، الطبيعة، البطولات العربية والإنسانية، المخترعات العلمية، الكشوف الحديثة، العمل والعمال، الريف وإنسانه وحيوانه في بلادنا… الخ.

وحين هبط أول إنسان على القمر، تعمد أن يضع نصاً في كتاب القراءة للصف الثاني الإبتدائي يتحدث - عن القمر، وعن هبوط الإنسان عليه، وعن مركبة الفضاء التي ستواصل هبوطها في المستقبل على بقية الكواكب بعبارة جميلة طبعاً.

وهذا الإلحاح على إدراج النصوص التي تتناول الحياة العلمية والعملية، يراد منه التخلص من الفكرة السائدة حتى الآن والتي مفادها أن اللغة السليمة الجميلة مجالها الأدب فقط، وإن العلوم الإنسانية والبحتة على السواء لا تحتاج الى مثل هذه المهارة، لذلك لا حاجة للغاية بالتعبير فيها.[18]

4- طريقة تدريس اللغة والأدب

لكل درس أهداف متعددة، ودروس اللغة والأدب لا تشذ عن ذلك. وقد كان تدريس سليمان العيسى لهذا المواد خلال عشرين عاماً فرصة لتوكيد فكرة التربوي واكتشاف سبل تطبيقه.

الأمة، في نظره، كيان ثقافي، واللغة عماد هذا الكيان.

والإنسان، في نظره، طاقات تتفتح وتبدع، إذا توافرت الحوافز، لذلك ركز سليمان العيسى في تدريسه على هدفين:

الهدف الفردي، المتمثل في تفجير طاقات الطلاب المبدعة.

والهدف القومي، المتمثل في توثيق صلة الطلاب بالتراث، وتحميلهم مسؤولية حفظه حياً متجدداً. يقول:

"أنا عربي أنتمي إلى أمة مقهورة، مفككة الأوصال، عريقة الجذور في تراب الحضارة،شديدة الصلة بتاريخ النور، والى وطن يقارع الإستعمار الشرس في كل بقعة من بقاعه، وزاوية من زواياه منذ عام ونيف.

فهل يمكن أن يكون درس اللغة العربية والأدب العربي حيادياً لايختلج له عرق، ولايرتعش له حس أمام هذا كله؟

وما مهمة الكلمة إذاً ؟

أهي لعبة ألفاظ وزخارف بيان فحسب ؟

لا، المسألة أعمق من ذلك، وأبعد..

كل درس في العربية ألقيه على طلابي لابد أن يحرك جامداً، أويهز راكداً باتجاه الهدف المنشود.

التربية هنا تفجير طاقات، وبحث عن ينابيع ضائعة، وأصالة مطمورة في أعماق التخلف وتركه عصور الظلام.

فليكن رائدي إذا في كل كلمة أقوالها، في كل حرف ألقيه على طلابى وطالباتى أن أبحث عن هذه الينابيع، وأفجر هذه الطاقات ماإستطعت الى ذلك سبيلا.

على القضية أن تتحول الى فن، وعلى الفكرة أن تحمل أجنحة الشعر إذا أمكن.

وبعدئذ دع الشباب يبحث عنها، ويتعلق بها، ويقاتل من أجلها. إن الفكرة عندئذ ستكون فكرته، والقضية قضيته".[19]

وتتمثل الطريقة التي يقترحها سليمان العيسى في دروس القراءة، في إبراز قيمة النص من جميع الجوانب، بأن ينتقل المعلم بينها مسلطاً الضوء على كل منها بمفرده ثم على الكل، من خلال حوار حي يتناول المفردات والعبارات والصور والتشابيه والأفكار ونقاط الضعف والقوة، والإنسجام والتنافر.. الخ، فيتحول النص الى طاقة ورد يختار الطلاب منها مايشاؤون،ويضيفون ما يشاؤون"[20] وعندما يدار الحوار بحرية كاملة تتكشف قدرات الطلاب في الفهم والنقد والإبداع.

وتغنى هذه الطريقة، في درس الأدب بصورة خاصة، بإستخدام وسائل مختلفة من صور لما يعرضه النص، الى تسجيل له بالقاء جيد أو بغناء تصحبه الموسيقا إذا كان النص مما لحن وغني.

وهكذا ينجذب الطلاب الى النصوص ويحفظونها وتصبح جزاءاً من ثقافتهم. وينقل المعلم اليهم خلال ذلك كل جديد يمكن أن يساعدهم في عمليات الفهم والنقد والإبداع التي يتوقع منهم أن يشاركوا فيها. فقد حرص سليمان العيسى، حين علَّم الأدب، على أن تكون" عينه على كل جديد يدخل رئته ورئة طلابه"، فالهواء المتجدد مصدر تجدد الحياة في الإنسان.

ولسليمان العيسى أسلوب خاص في إكتشاف المتميزين في التعبير، وهو مايسميه " الإخبار الخاطف". يحدد المعلم من أجله فترة صغيرة من الدرس للتعبير عن فكرة ما، ثم يعقد مباراة بين الطلاب مستعرضاً كتاباتهم ناقداً لها ومصححاً.

وفيما يتعلق بالتصحيح، يشرح إسلوبه قائلاً: " وأقتضب الملاحظات ما استطعت، أقصرها على غلطة أو غلطتين بارزتين في كل ورقة، ثم أمضي الى سواها. فليس من النافع في شيء أن تحصي أخطاء الصغار بدقة فلا تفوت عليهم واحدة"[21]

5- أدب الأطفال

يتكون النتاج الشعري والقصصي الذى كتبه سليمان العيسى للأطفال من الآثار التالية:

أ.غنوا ياأطفال، وهو مجموعة الأناشيد الكاملة في عشرة أجزاء.

ب.شعراؤنا يقدمون أنفسهم للأطفال، وهو مجموعة في عشرة أجزاء تضم أعلام الشعر العربي في التاريخ. قدموا أنفسهم لأطفالنا بلغة معاصرة مع مختارات من شعرهم.

ج- مسرحيات غنائية للأطفال، وهي المجموعة الكاملة للمسرحيات الشعرية القصيرة، والمسلسلات الشعرية.

د- وائل يبحث عن وطنه الكبير، وهو قصة طفولة الشاعر نثراً.

ه- حكايات تغني للصغار، وهو مجموعة تضم خمساً وعشرين حكاية شعرية.

و- ثلاث قصص من تراثنا كتبت بلغة جديدة وهي:

إبن الصحراء، لبيك أيتها المرأة، الحدث الحمراء.

ز- قصتان من التراث كتبتا برؤية جديدة، وهما:

علي بابا والأربعين لصاً، ومصباح علاء الدين.

ح- كتاب الأناشيد. وهو مجلد يضم مائتي نشيد ملحن، جمع فيه الشاعر أناشيده الملحنة، مع أهم الأناشيد القومية التي أنشدتها الأجيال العربية منذ مطلع هذا القرن مع نوطاتها الموسيقية، بالاشتراك مع الأستاذ كامل القدسي.

بالإضافة الى كتب صغيرة مترجمة أو مستوحاة من الآداب الأجنبية.

وقد ظهر هذا النتاج خلال السنوات العشر الأخيرة. ذلك أن سليمان بدأ الكتابة للأطفال عام 1967، ثم مالبث هذا الصف من الكتابة أن أستأثر بجل إهتمامه، وتنوع من النشيد القصير المركز الذى يتناول حياة الطفل في البيت والمدرسة والشارع والطبيعة.. الخ الى القصة الشعرية الصغيرة، الى المسرحية الشعرية التي تكتب وتلحن وتمثل، الى المسلسلات الشعرية التى تتألف من حلقات عدة بلغ بعضها إحدى وعشرين حلقة كما في ملحمة" القطار الأخضر"، الى القصص النثرية الجديدة أو القديمة التي أعاد الشاعر كتابتها بصورة تتفق مع أغراضه التربوية.

إن هذا النتاج يعكس بمجموعه الفكر التربوي لسليمان العيسىفي خطوطه العامة. ولكن كل لون منه يتميز من زاوية أخرى بخصائص الفن الذي يندرج تحته كالنشيد والقصة والمسرحية…، ويعمل في إطار أهداف خاصة مباشرة. فمنه ما وضع ليكون جزءاً من المنهاج المدرسي كالأناشيد، ومنه ما وضع للمطالعة الحرة كالقصص، ومنه ما صمم للنشاط ضمن المدرسة وخارجها كالمسرح.

وهذا النوع بالذات موجه بالدرجة الأولى للكبار من ملحنين ومغنين ومخرجين وعازفين أولئك الذين يتوقف عليهم نقل النص المكتوب إلى الصغار وتنظيم اشتراكهم في تمثيله.

والكتابة عن هذا النتاج الهائل ليست بالشيء السهل، ولا يمكن أن يكتفي فيها بالتعليق السريع. لذلك كان من الضروري قيام دراسات علمية حول كل من هذه الأنواع، تقود إلى تقويم موضوعي عام.

حسبي الآن أن أتحدث عن أناشيد الأطفال، فقد حظيت بدراسة علمية جادة، هي الدراسة التي قام بها الأستاذ فالح فلوح بعنوان " القيم التربوية السائدة وتقنيات العمل التربوي " في أناشيد الأطفال لسليمان العيسى. وقد قدم الباحث هذه الدراسة للمؤتمر الثاني عشر للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، ومهرجان الشعر الرابع عشر من 24_30 تشرين الثاني 1979 بدمشق. وسأكتفي هنا بتلخيص نتائج الدراسة. كما حظيت هذه الأناشيد من الشاعر نفسه بكتابات نثرية يبين فيها أهدافها، والأسس التي تكونت عنده، خلال كتابتها، حول كتابة أناشيد الأطفال بصورة عامة، ولنبدأ بهذه الأسس.

يقول سليمان العيسى: انه حرص على أن تتوافر في النشيد الذي يكتبه للصغار العناصر التالية:

"أ- اللفظة الرشيقة الموحية، الخفيفة الظل، البعيدة الهدف، التي تلقي وراءها ظلالاً وألواناً، وتترك أثراً عميقاً في النفس.

ب- الصورة الشعرية الجميلة التي تبقى مع الطفل.. مرة يلتقطها من واقع الأطفال وحياتهم، ومرة يستمدها من أحلامهم وأمانيهم البعيدة.

ج- الفكرة النبيلة الخيرة التي يحملها الصغير زاداً في طريقه، وكنزاً صغيراً يُشع ويضيء.

د- الوزن الموسيقي الخفيف الرشيق الذي لايتجاوز ثلاث كلمات أو أربعاً في كل بيت من أبيات النشيد."[22]

وهو يطلق على إجتماع العناصر بصورة تناسب سن الطفل "المعادلة الشعرية الجميلة"، وهي معادلة صعبة، تحتاج إلى مراس طويل لتعطي ثمارها. ويزيد في صعوبتها أن الشاعر يريد فيها - كما رأينا_ المزج بين عالمين: العالم المحسوس القريب الذي يعيش الطفل فيه، وعالم الخيال والأحلام البعيدة فخيال الأطفال خصب، وهو يشغل جزءاً كبيراً في حياتهم، لذلك لايريد الشاعر أن يبقى بعيداً عنه.

إن هذه الكتابات تربوية بكل معنى الكلمة. فالشاعر لم يقصد بها الأثر الفني فحسب، بل رأى فيها وسيلة يحقق عن طريقها أغراضاً شتى. لقد كتب الأناشيد

" لكي يحبَّ الأطفالَ لُغتهم

لكي يحبوا وطنهم

لكي يحبوا الناس والزهرَ والربيع والحياة"[23]

لقد أراد عن طريقها: " أن ينقل للصغار تجربته القومية وتجربته الإنسانية، بالإضافة الى تجربته الفنية.. أن ينقل إليهم همومه وأحلامه" كما قال.[24]

ويبدو أنه وفق في تحقيق هذا الغرض، بل تجاوزه الى نقل تجربته للكبار عن طريق الصغار. فقد دخل قسم كبير من أناشيده الكتب المدرسية، لافي سورية فحسب، بل في أقطار عربية أخرى، وحفظها الآباء والأمهات والأقارب وهم يعلمونها أطفالهم أو يستمعون إليهم يُنشدونها.

إلا أن النقاش يدور أحياناً، ومن الطبيعي جداُ أن يدور، حول صحة المعادلة التي اعتمدها سليمان العيسى في هذا النتاج، ومدى نجاحه في تطبيقها.

لاسيما أن الكثيرين لم يربطوا حتى الأن بين أدب الأطفال الذى كتبه وفكره التربوي الذى أنطلق منه، كما أنه لم تجر حتى الآن دراسات مقارنة في أدب الأطفال يمكن التعرف من خلالها على المستويات العالمية لهذا الأدب. وهذا ماحدا بالأستاذ فالح فلوح لإجراء دراسته القيمة، التي حاول فيها الإجابة عن الأسئلة التالية:

1-   ما القيم التي نادى بها الشاعر للصغار؟ وهل هي ملائمة لهم؟

2- هل إستطاع الشاعر أن يوفق في عرضها من الناحية التربوية؟ وهل نجح في تبسيطها وتسهيلها؟

3-            هل وفق الشاعر في تقديم شعر حقيقي للأطفال من الناحية الفنية؟

وقد اكتفى الأستاذ فالح فلوح بالنظر في الأناشيد الشعرية لأنها أكثر تداولاً في الكتب المدرسية، وأكثر إحتفاء بالقيم التربوية بسبب تنوعها وتعدد موضوعاتها. وأقتصر فيها على عينة تبلغ 60% منها، قام بتحليل مضمونها. وقد توصل بفضل هذا التحليل الى أن القيم التي يبثها الشاعر في أناشيده متنوعة، وأنه يمكن ترتيب هذا القيم حسب درجة تكرارها كما يلي:

1- القيم الوطنية والقومية، وتتضمن: حب الوطن والأمة واللغة العربية، والعوة الى الثورة والحرية.

2- القيم التي تتصل بحياة الطفل مع الطبيعة، وتتضمن: دعوة الطفل للتعرف على الطبيعة، سهلاً وجبلاً، براً وبحراً، صحراء وبساتين متعددة الألوان والزرع.

3- القيم التي تتصل بحيات الطفل في المدرسة، وتتضمن الحث على التحصيل المدرسي والإهتمام بدروس اللغة والنشيد بصورة خاصة.

4- القيم التي تتصل بالمجتمع، وتتضمن قيم العمل، والعدالة الإجتماعية، وتطوير الإنتاج، الإعتزاز بالآلة الحديثة.

5- القيم التي تتصل بالتعبير الذاتي المبدع، وتتضمن الحث على اللعب الهادف كالرسم والغناء والعزف وحفظ الأشعار والسباحة واللعب بالكرة والصيد ومصاقة الحيوان.

ويلح الشاعر بصورة خاصة على علاقة اللعب بالإبداع.

6- القيم التي تتصل بحياة الطفل في البيت وتتضمن حب الأم والأب وتكريمهما.

ما فيما يتعلق بتقنيات العمل التربوي، فإن الباحث يقتطف نماذج يبين فيها أن سليمان العيسى يحاول في معظم الحالات تقديم القيم بصورة غير مباشرة والإختفاء وراء وسيط كأحد الأطفال أو الطبيعة، ينقل للأطفال مايريد أن يحدثهم به. وهو أسلوب محبب في أدب الأطفال يساعد على فهم القيم من قبل الأطفال وتقبلهم لها. ولكنه يقدمها أحياناً تقديماً صريحاً مباشراً. فيلجأ الى الإقناع العاطفي مستعيناً ببعض الألفاظ والتعبيرات التي تساهم في إثارة الأطفال وشدهم إلى القيم المطلوبة، مثل: عاش، وجميل، وأهلاً ومرحباً كما يعمد الشاعر إلى تبسيط الأفكار المجردة بإعطائها شكلاً محسوساً ويوفق إلى ذلك في مواقف كثيرة.

وأما فيما يتعلق بتقنيات العمل الفني، فإن الأمثلة العديدة التي يسوقها الباحث تؤيد القناعة التي توصل إليها وهي أن سليمان العيسى وفَّق توفيقاً كبيراً فيما يتعلق بالموسيقا الشعرية والصور الفنية.

بقي موضوع الفردات، وهو موضوع شائك تختلف المعايير فيه بين الكتابة الشعرية والكتابة النثرية، وبين النصوص التي تشكل جزءاً من المنهاج المدرسي وتلك التي تقع خارج المنهاج.

وإذا كانت بعض مفردات الأناشيد تعد أعلى من مستوى الأطفال، فإنها محدودة العدد، وهي لا تشكل عئقاً أمام الفهم، ويمكن الوصول إليها من سياق النص أو بشرح بسيط من قبل المعلم.

ويخلص الباحث الأستاذ فالح فلوح، إلى القول:" لقد إستطاع سليمان العيسى أن يشق الطريق على وعرته، وبرزت ريادته أكثر مابرزت في تجديد موسيقا الأناشيد، وفي تقديم مضامين هادفة، وبنىملائمة لها، دون أن يجوز على فن الشعر لأغراض التربية، أو تطغى مستلزمات الفن طغياناً شديداً على الإصال التربوي."

6- الألعاب التربوية

الإنسان العربي إنسان مسؤول، والإحساس بالمسؤولية يجب ألايفارقه لحظة واحدة من لحظات حياته.

واللعب حاجة من حاجات الإنسان الأولى، وضرورة للترويح عنه ولنمائه.

وسليمان العيسى لا يجد تناقضاً بين المسؤولية واللعب، لذلك حرص على أن يقدم للكبار والصغار مجموعة تتكون من ثلاث ألعاب، تملأ فراغهم بذاد يزيد من معرفتهم بالوطن والتراث واللغة، وبالتالي من إرتباطهم بها.

وهذه الألعاب هي:

اللعبة الأولى: أعرف أعلام تاريخك.

تضم اللعبة (التي تقوم مقام ورق اللعب - الشدة) 56 ورقة كل ورقة تحمل إسم علم من أعلام التاريخ العربي. وكل أربعة أعلام يؤلفون فئة..: الشعراء - الفلاسفة - الأطباء - الجغرافيون اللغويون - الرواة - العلماء - المؤرخون الخ.. فئة المؤرخين مثلاً ضمت أربعة أعلام: إبن الأثير، الطبري، المسعودي، إبن خلدون. يكتب إسم العلم على رأس الورقة، ثم تلخص حياته وأثاره بـ 20 - 30 كلمة بصورة مكثفة. ثم تدرج في أسفل الورقة الأسماء الأربعة التي تؤلف فئة المؤرخين لكي تتم اللعبة. الشعراء وحدهم أخذوا ثلاث فئات " 12 ورقة " في هذه اللعبة، وتمثلت فيهم العصور الثلاثة:

الجاهلي والأموي والعباسي.[25]

أنظر الصورة التي عرضنا فيها أنموذجاً من أوراق هذه اللعبة في الصفحة التالية:


 


 

اللعبة الثانية: أعرف وطنك العربي،

تتألف أيضاً من 14 x 14 = 56 ورقة.

أو: 14 فئة، وكل فئة تضم أربعة معالم بارزة من جغرافية الوطن العربي، مثل: الجبال_ السهول _ الصحارى _ الموانئ _ العواصم _ ألخ..

وتستمر اللعبة على غرار لعبة أعلام التاريخ.

اللعبة الثالثة أعرف أهم قواعد لغتك العربية.

تتألف من 14 x 14= 56 ورقة أيضاً

وتجري على غرار اللعبتين السابقتين، حيث تعرج على أهم القواعد وأكثرها استعمالا في اللغة العربية مثل:

أبرز أخوات كان..

أبرز أخوات إنَّ..

أبرز المرفوعات..

أبرز المنصوبات.. الخ، مع شرح مكثف لهذه القواعد وأمثلة ملائمة من الواقع العربي، وقد شرحت طريقة ممارسة هذه الألعاب بصورة واضحة في مقدمة كل منها.

وأخيراً..

هذه محاولة أولى للتعرف إلى البعد التربوي في شخصية سليمان العيسى ونتاجه.

إن هذا الإنذار أشبه ما يكون برسالة، محوراها:

الإنذار بخطر الفناء.

والدعوة إلى طريق الحياة.

وقد شق سليمان هذا الطريق، ووضع صوى لمن يودّ السير عليها.

لم يلجأ سليمان العيسى إلى المصطلحات الشائعة في التربية، كتكوين الشخصية الإنسانية المتكاملة، والتربية الذاتية، والتربية المستمرة، إلا أن ما أعطاه في هذا المجال يضارع هذه التعابير من حيث المدلول، ويفوقها من حيث الارتباط بأزمة الأمة العربية:

أزمة أن تكون أو لا تكون ! ‍‍‍‍‍‍‍

أيضير التربية أيضاً أن يكون سليمان العيسى، الشاعر، قد فضل لها القالب الشعري على النثر في معظم الأحيان ؟

وهل يغير ذلك من واقع الأمر شيئاً ؟

دمشق: كانون الأول 1982



[1] -(وقد غيَّر الشباب كلمة "الفتح" الأصلية في البيت، وجعلوها: أمةُ العرب. والمعنى واحد).

[2] - قرية في جبال اللاذقية، على الساحل السوري.

[3] -سميت الجزائر بالتراب الفرنسي.

 

[4] - صدر تحت عنوان: فلسطينيات سليمان العيسى، دار فلسطين للثقافة والإعلام والفنون،

دمشق، 1995.

[5] شعر سليمان العيسى- المجموعة الكاملة- المجلد الثالث ص 219.

[6] (2) شعر سليمان العيسى- المجموعة الكاملة - المجلد الأول ص 15.

[7] (3) المصدر نفسه - المجلد الأول ص 8

[8] (4) المصدر نفسه - المجلد الثالث ص 94

[9] دفتر النثر. ص 217.

[10] شعر سليمان العيسى-المجموعة الكاملة- المجلد الأول ص 13.

[11] المصدر نفسه - المجلد الأول - ص10

[12] المصدر نفسه - المجلد الثالث - ص13

[13] دفتر النثر. ص 25

[14] المصدر نفسه ص 29

[15] شعر سليمان العيسى - المجموعة الكاملة - المجلد الثالث ص 108

[16] انظر قصيدة: على هامش بطاقة في هذا الكتاب.

[17] دفتر النثر. ص 52

[18] مقال: الشعر والتربية نفسه،

[19] مقال: الشعر والتربية نفسه.

[20] - المقال نفسه.

[21] دفتر النثر، ص 27.

[22] دفتر النثر، ص345.

[23] غنوا يا أطفال: " مجموعة الأناشيد الكاملة" ص3

[24] دفتر النثر، ص349.

[25] 27 - طبعت اللعبة الأولى في بغداد تحت عنوان: لعبة الأذكياء -

ثقافة وتسلية. أما اللعبتان الثانية والثالثة فلم تطبع قط.

 
 __________________
 

الملتقى الثقافي العربي السوري في صنعاء (18)

 

وقفات مع سليمان العيسى

 

 

للدكتورة ملكة أبيض

 

صنعاء

30 آذار 2000

 

الساعة السابعة في ضيافة الدكتور أمين سليمان، وبحضوركم تتم مسرتنا

Comments